تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 479

مساهمون:

ص٤٧٩
اختلف فيه : قال بعضهم « 1 » :
وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ
، أي : من دون ما عمل أولئك الكفرة من الأعمال التي تقدم ذكرها : من قوله :
فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ * أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ * نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ
على ما ذكر ، ثم أخبر أن لهم أعمالا دون ما ذكر . وقال قائلون :
وَلَهُمْ أَعْمالٌ
، يعني : المؤمنين الذين ذكر أعمالهم ، أي : لهم أعمال دون الذي ذكر لهم دون تلك الأعمال « 2 » . وقوله :
حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ
. قال أهل التأويل : ذلك في العذاب الذي أخذ أهل مكة في الدنيا من الجوع الذي نزل بهم حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة ونحوه . لكن الأشبه أن يكون ذلك في عذاب الآخرة ؛ ألا ترى أنه يقول :
إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ
أي : يتضرعون . ويقول أيضا :
قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ
فإنما يخبر : أن كنتم تفعلون كذا في الدنيا ، ويذكر :
إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ
؛ فلا يحتمل أن يتضرعوا إليه في الدنيا ، ثم لا يقبل منهم ذلك التضرع ، أو ينهاهم عن التضرع بقوله :
لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ
؛ فدل ذلك أنه في الآخرة ، وهو ما ذكر :
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا . . .
الآية [ غافر : 84 ] ؛ مثل هذا يكون في الآخرة ، وفي الدنيا ما ذكر :
وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ
[ المؤمنون : 76 ] : ذكر في عذاب الدنيا أنهم لم يتضرعوا في الدنيا عند نزول العذاب بهم ، [ و ] لا يقبل منهم التضرع والاستكانة ؛ دل ذلك أنه ما ذكرنا ؛ ألا ترى أنه قال :
لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ
. نهاهم عن التضرع ، ولا يحتمل النهي عن ذلك . وقوله :
إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ
. أي : لا تمنعون من عذابه . وقوله :
قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ
. قوله :
عَلى أَعْقابِكُمْ
ترجعون على التمثيل ، ليس على التحقيق ؛ لأنهم إذا رجعوا على الأعقاب صار ما كان أمامهم وراءهم ؛ فكأنهم نبذوا ذلك وراء ظهورهم . أو أن يكون المنقلب على الأعقاب كالمكب على الوجه ، والمكب على وجهه مذموم
هامش
( 1 ) قاله قتادة ، أخرجه ابن جرير عنه ( 25573 ) . ( 2 ) ينظر : اللباب ( 14 / 236 ) .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 479 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم