تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 477

مساهمون:

ص٤٧٧
وجائز أن يكون قوله :
وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ
لا على ذلك ؛ ولكن على ما يذكر ، أي : قلوبهم وجلة أنهم يرجعون إلى ربهم : على السعادة أم على الشقاوة ؟ والله أعلم . وقوله :
أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ
. أخبر أن الذين نعتهم ووصفهم هم الذين يسارعون في الخيرات ، لا أولئك الكفرة الذين تقدم ذكرهم ،
وَهُمْ لَها سابِقُونَ
: يحتمل ، أي : سبقوا أولئك الكفرة بها ، والله أعلم . وقوله :
وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
. جائز أن يكون ذكر هذا وقاله ؛ لما عمل أولئك من الأعمال التي لا تسع ولا تحل ، وقالوا : الله أمرهم بذلك بقولهم :
وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها
[ الأعراف : 28 ] ؛ فقال :
وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
، أي : إلا ما يسعها ، أي : إلا ما يسعها ويحل ؛ كقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ
[ الأعراف : 28 ] ؛ ردا لقولهم ، وتكذيبا . ويحتمل وجها آخر ، وهو أن يقول : لا نكلف نفسا من الأعمال إلا وسعها ، أي : طاقتها ، وذلك يحتمل وجهين : أحدهما ، أي : لا نكلف أحدا من الأعمال ما يتلف طاقة وسعه فيه : لا يكلف الغني من الإعطاء ما يتلف به غناه ، وكذلك لا يكلف كل حي من العمل ما يتلف به طاقته وحياته ؛ ولكنه إنما أمره وكلفه بأمور يحتمل طاقتهم ذلك العمل والأمر ؛ فإن كان كذلك ؛ فدل ذلك أنه لم يرد به طاقة العمل وقدرته ؛ ولكن طاقة الأحوال التي يجوز تقدمها عن الأحوال . والثاني : ذكر هذا ؛ لئلا يقولوا : إنا لم نطق ما كلفنا ؛ لأنهم تركوا الأعمال التي أمروا بها ، وكلفوا بأعمال مثل التي تركوها ، وهي المعاصي التي عملوها ، فما أمروا من الأعمال ليس يفوق التي عملوها ؛ ولكن مثلها ؛ فلا يكون لهم في ذلك احتجاج . وقوله :
وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ
. قال قائلون : هو الكتاب الذي يكتب فيه أعمالهم وأفعالهم من الخيرات والسيئات ، وذلك كله محفوظ محصى عليهم ؛ كقوله :
ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ
[ ق : 18 ] ؛ فإن كان هذا فيكون قوله :
بِالْحَقِّ
، أي : بالتصديق . وقال قائلون : هو الكتاب الذي أنزل إلينا ، وهو هذا القرآن ؛ ينطق عليكم بالحق ، أي : بالحق الذي لله علينا ، وبالحق الذي يكون لبعض على بعض ، وهو كقوله :
هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ
[ الجاثية : 29 ] ، وهو ما ذكرنا من الحق الذي له علينا ، ومن الحق