تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
تشبيهه بخلقه ، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوّا كبيرا . وقوله - عزّ وجل - :
قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى . قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
، وقال في آية أخرى :
وَما رَبُّ الْعالَمِينَ . قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا
الآية [ الشعراء : 23 ، 24 ] ، و
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما
[ الشعراء : 28 ] ، سأله عن ماهيته ، فأجابه موسى عن آثار صنعه في خلقه ، وأنه ربّ كل شيء ، وربّ ما ذكر ، لم يجبه عما سأله من ماهيته وكيفيته ، حيث قال :
فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى
، فجوابه عن الماهية : ربنا فلان ، وأنه كذا ، ففيه دلالة أن الله لا يعرف من جهة الماهية والكيفية ؛ إذ لا ماهية ولا كيفيّة ؛ إذ هما أوصاف الخلق ، فالله سبحانه يتعالى عن أن يوصف بشيء من صفات الخلق . ثم يحتمل قوله :
أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
وجوها : أحدها : أعطى كل شيء يكون ، صورة ما قد كان معاشه وقوامه ؛ ليعلم أنه قادر على بعثهم على الصّورة التي كانت . وقوله - عزّ وجل - :
ثُمَّ هَدى
فهو على قوله : أعطى كل شيء ثم هدى ، فإن كان التأويل : أعطى كل شيء صورته وهيئته ، فقوله :
ثُمَّ هَدى
للنجاة ، وإن كان أعطى جنسه وشكله ثم هداه للنسل ، وإن كان قوله :
أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ
ما به معاشهم وقوامهم ، ثم هداه لما يتعيشون به ، ويقومون به ، وهداه لما يصلح لهم وما لا يصلح لهم ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى . قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ
. قال بعضهم : إنما سأل فرعون موسى عن القرون الأولى ؛ لأنه سمع من ذلك الرجل المؤمن حين قال :
إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ
[ غافر : 30 ] ولم يكن لموسى بهم علم ، فوكل علمهم إلى الله ، ثم أنزل الله عليه التوراة ، فبيّن له فيها أمرهم . وقال بعضهم : سأل فرعون موسى ذلك ؛ لأن موسى أخبر أنه يبعث ، وخوفه على ذلك ، فعند ذلك قال :
فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى
لم يبعثوا منذ أهلكوا ؟ فقال له ما قال . وقال بعضهم : قوله :
فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى
إنّما سأله عن حال القرون الأولى أهم في الجنة أو في النار ، فقال :
عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي
. وقال بعضهم : إنما سأله عن أعمالهم : فما أعمال القرون الأولى ؟ فقال :
عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي
أي : أعمالهم عند ربي في كتاب مرقوم ، وقوله :
سائِقٌ وَشَهِيدٌ
[ ق : 21 ] وقوله :
فِي كِتابٍ
قال بعضهم : الكتاب الذي أثبتت فيه أعمالهم ، وقال بعضهم « 1 » : في اللوح
هامش
( 1 ) قاله البغوي ( 3 / 220 ) .