تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
يشبه أن يكون
وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي
هذا ، أي : لا تضعفا في تبليغ الرسالة ، ولكن قولا :
إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ
لا يحتمل أن يكون أوّل ما أتياه قالا :
أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ
[ ولكن ] قد سبق منهما الدعاء إلى توحيد الله والإفراد له بالألوهية والربوبية ؛ فإذا ترك الإجابة ، فعند ذلك قالا له :
فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ
. [ و ] هذا يحتمل وجهين : أحدهما : كأنه كان يمنع بني إسرائيل عن الإسلام ، وهم أرادوا الإسلام ، فقالا : أرسل معنا بني إسرائيل ولا تمنعهم عن الإسلام . أو : كان يستعبدهم ، فأمره أن يستنقذهم من يديه ، كقوله :
أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ
[ الشعراء : 22 ] ألا ترى أنّه قال :
وَلا تُعَذِّبْهُمْ
. وقوله - عزّ وجل - :
قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ
وهو ما قال :
لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ
[ الإسراء : 102 ] . وقوله - عزّ وجل - :
وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى
. هذا يدل أنه لا يبدأ بالسلام على أهل الكفر ، ولكن يبدأ بأهل الإسلام ، وفيه أن تحية أهل الإسلام هو السلام ، لا قول الناس : ( أطال الله بقاءك ) ، ونحوه . وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى
كأنه قال : والسلام على من اتبع الهدى ، والعذاب على من كذب وتولى . والسلام هو اسم كل خير وبر . وقال القتبي « 1 » :
أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا
أي : يعجل ويقدم ، قالوا : الفرط : التقدم والسبق ، وفي الخبر عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم : « أنا فرطكم على الحوض » « 2 » ، وهو من السبق ، وكذلك قال أبو عوسجة :
أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا
أي : يعجل ، يقال : فرط يفرط فرطا : أي : عجل ، وقال :
وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي
أي : لا تقصرا ولا تعجزا في البلاغ ،
وَاصْطَنَعْتُكَ
أي : استخلصتك لنفسي ، فإذا لم يفهم من قوله :
لِنَفْسِي
: ذاته فكيف يفهم
وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي
ما لم يفهم من الخلق ، ولا يتصور هذا وأمثاله إلا في وهم من اعتقد التشبيه ولم يعرف ربّه ، وإلّا لو عرف ربّه حق معرفته ، لكان لا يتصور في وهمه تشبيه الخلق به ، ولا
هامش
( 1 ) انظر : تفسير غريب القرآن ص ( 279 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 13 / 293 ) كتاب الرقاق : باب في الحوض ( 6575 ، 6576 ) ومسلم ( 4 / 1796 ) كتاب الفضائل : باب إثبات حوض نبينا صلى اللّه عليه وسلّم وصفاته ( 32 / 2297 ) عن ابن مسعود قال : قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « أنا فرطكم على الحوض ، وليرفعن رجال منكم ثم ليختلجنّ دوني ، فأقول : يا رب ، أصحابي فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك » .