الإنسان ؛ فعلى ذلك إضافة خلق أنفسنا إلى الأرض .
والثاني : نسب إليها ؛ لأنا من أول ما ننشأ إلى آخر ما ننتهي إليه يكون قوامنا ومعاشنا من الخارج من الأرض ؛ فنسب خلقنا إليه ، وهو ما قال :
قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً
[ الأعراف : 26 ] واللّباس على هيئته ما هو لم ينزل من السماء ، لكنّه أضافه إليها ؛ لأنه كان بأسباب من السماء وأصله منها .
وقال بعضهم « 1 » : ذكر أن الملك ينطلق فيأخذ من تراب ذلك المكان الذي يدفن فيه الإنسان فيذره على النطفة التي قضى الله منها الولد ؛ فيخلق من التراب والنطفة ، فذلك معنى الإضافة إليهما ، لكن هذا سمعيّ لا يعرف إلا بالخبر ، فإن ثبت فهو هو ، وإلّا لا يجوز أن يقال ذلك رأيا .
وقوله - عزّ وجل - :
وَفِيها نُعِيدُكُمْ
.
قوله :
وَفِيها نُعِيدُكُمْ
إذا متم ، أي : تقبرون فيها ، فيخرج مخرج الامتنان علينا ، وذلك لنا خاصّة دون غيرنا من الحيوان ، لئلا نتأذى بهم ، كقوله :
ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ
[ عبس : 21 ] أو أن يكون قوله :
وَفِيها نُعِيدُكُمْ
، أي : تصيرون ترابا إذا متم ، فيخبر عن قدرته وسلطانه ، أي : من قدر على أن صيّر الإنسان ترابا ، بعد أن لم يكن ترابا لقادر على أن يصيره إنسانا على ما كان بعد ما صار ترابا ، وهو ما قال :
وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى
أي :
منها نبعثكم وننشئكم مرة أخرى ، والله أعلم .
قوله تعالى :
[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 56 إلى 64 ]
وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى ( 56 ) قالَ أَ جِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى ( 57 ) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً ( 58 ) قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ( 59 ) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى ( 60 )
قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى ( 61 ) فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى ( 62 ) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى ( 63 ) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى ( 64 )
وقوله - عزّ وجل - :
وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها
لم يره جميع آياته ، إنما أراه بعض آياته ، لكن إن كان المراد منها الإعلام له ، فقد أعلم الآيات كلها ؛ لأنه إنما أراه آية واحدة أو بعض الآيات ، فرؤية آية واحدة وبعضها يدل على إعلام غيرها من الآيات ، فهو على
هامش
( 1 ) قاله عطاء الخراساني ، أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر عنه ، كما في الدر المنثور ( 4 / 539 ) .