تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 605

مساهمون:

ص٦٠٥
والمودة ، على ذلك تجمّعهم في الابتداء ، لكن لما شربوا وأخذهم الشراب وقع بينهم العداوة والبغضاء ؛ فكان قصده إلى جمعهم في الابتداء على المحبة والمودة ما ظهر منه في العاقبة من إيقاع العداوة بينهم ، وتفريق جمعهم ، وهو كقوله - تعالى - :
يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ
[ لقمان : 21 ] ولو دعاهم إلى عذاب السعير لكانوا لا يجيبونه « 1 » ، لكن دعاهم إلى العمل الذي يوجب لهم عذاب السعير ، فعلى ذلك هو يدعوهم إلى الاجتماع في الخمر والميسر إلى ما وجب ويوقع بينهم العداوة والبغضاء ، ففيه أن الأعمال ينظر فيها العواقب ؛ كما روي : « الأعمال بالخواتيم » « 2 » . وفي الآية دليل تحريم الخمر ؛ لأنه قال :
رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ
والرجس حرام ؛ كقوله تعالى :
فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً
[ الأنعام : 145 ] وما يدعو إليه الشيطان - أيضا - حرام ، وكذلك قوله :
قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ
[ البقرة : 219 ] والحلال المباح لا إثم فيه ، ولا يسمّى رجسا ، وكذلك روي عن نبيّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قام « 3 » ، فخطب الناس ، فقال : « يا أيّها النّاس ، إنّ اللّه يعرّض على الخمر تعريضا ، لا أدري لعلّه سينزل فيها » ثم قال : « يا أهل المدينة ، إنّ اللّه قد أنزل تحريم الخمر ، فمن كتب هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشربها ، ولا يبعها » قال : فسكبوها في طريق المدينة « 4 » . وعن عمر - رضي اللّه عنه - قال « 5 » : لما نزل تحريم الخمر قال : « اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء » ؛ فنزلت الآية التي في البقرة :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ
[ البقرة : 219 ] فقرئت عليه ؛ فقال عمر - رضي اللّه عنه - : « اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء » ؛ فنزلت الآية التي في النساء :
لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى
[ النساء : 43 ] فكان منادي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة قال : « لا يقرب الصلاة سكران » فدعي عمر - رضي اللّه عنه - فقرئت عليه ؛ فقال : « اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء » . فنزلت الآية التي في المائدة :
إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ
فدعي عمر -
هامش
( 1 ) في ب : يجيبون . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 13 / 338 ) كتاب القدر : باب ( 6607 ) من حديث سهل بن سعد مرفوعا : « إن العبد ليعمل عمل أهل النار وإنه من أهل الجنة ، ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار ، وإنما الأعمال بالخواتيم » ، والحديث فيه قصة . ( 3 ) في أ : قال . ( 4 ) أخرجه مسلم ( 3 / 1205 ) كتاب المساقاة : باب تحريم بيع الخمر ، حديث ( 67 / 1578 ) من حديث أبي سعيد الخدري . ( 5 ) في ب : قال عمر .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 605 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم