تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 607

مساهمون:

ص٦٠٧
النخلة والعنب فلا يحرم وإن كان نيئا إلا السكر منه ؛ لأن غيرهما من الأشربة قد يتخذ لا للسكر ، وإن كان في مكان لا يتخذ إلا للسكر فهو مكروه قليله وكثيره ، كالمتخذ من النخلة والعنب . وكانا يقولان : ما كان من الأنبذة مطبوخا فهو حلال وإن قل طبخه ، إلا العصير فإنه لا يحل بالطبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه . وكانا يفرقان بين العصير وغيره : بأن العصير ليس فيه شيء من غيره ، وإن ترك بحاله غلا فأسكر ، فإذا طبخ حتى يذهب ثلثه أو نصفه فهو يغلي ويسكر ، فلم يخرجه الطبخ من حده الأول ؛ إذ كان يسكر قبل أن يطبخ ، وهو الآن يسكر بنفسه ؛ إذ لم يجعل فيه شيء غيره ، وسائر ما يتخذ منه الأنبذة إن بقيت لم يشتد ولم يسكر حتى يلقى عليه الماء ويخلط بها غيره ، فحينئذ يسكر ، فهي مثل العصير إذا ذهب ثلثاه وبقي ثلثه ، فإن بقي دهرا لم يسكر حتى يلقي عليه الماء فحينئذ يسكر ، فإذا صار العصير في حال إن بقي مدة لم يغل بنفسه حتى يلقي عليه غيره كان بمنزلة الزبيب والتمر إذا ألقى عليهما الماء فطبخا ؛ وعلى ذلك ما روي عن عمر - رضي اللّه عنه - في الطلاء أنه لا يحل حتى يذهب ثلثاه ؛ فيذهب عنه سلطانه ، يقول : إذا كان يغلي بنفسه من غير أن يصب عليه الماء ففيه سلطانه ، فإذا صار لا يغلي بنفسه ، وهو أن يطبخ حتى يذهب ثلثاه فقد ذهب عنه سلطانه . وروي عن أنس بن مالك - رضي اللّه عنه - أن أبا عبيدة « 1 » ومعاذ ابن جبل وأبا طلحة « 2 » - رضوان اللّه عليهم - كانوا يشربون من الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه « 3 » .
هامش
( 1 ) عامر بن عبد اللّه بن الجراح القرشي الفهري ، مشهور بكنيته « أبي عبيدة » ، وبالنسبة إلى جده « الجراح » ، من الصحابة المقلين في الفتيا ، وأحد السابقين إلى الإسلام والعشرة المبشرين ، هاجر الهجرتين ، وشهد بدرا وما بعدها ، آخى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بينه وبين سعد بن معاذ . قال أحمد من حديث أنس : إن أهل اليمن لما قدموا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قالوا : ابعث معنا رجلا يعلمنا السنة والإسلام ، فأخذ بيد أبي عبيدة بن الجراح ، فقال : « هذا أمين هذه الأمة » . وقد دعا أبو بكر يوم توفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في سقيفة بني ساعدة إلى البيعة لعمر أو لأبي عبيدة ، ولاه عمر الشام ، وفتح اللّه عليه اليرموك والجابية ، توفي في طاعون عمواس بالشام . له في الصحيحين أربعة عشر حديثا . ينظر : الإصابة في تمييز الصحابة ( 2 / 252 ) ، وتهذيب التهذيب ( 5 / 73 ) ، وإعلام الموقعين ( 1 / 12 ) ، والأعلام للزركلي ( 4 / 1 ) . ( 2 ) هو أبو طلحة ، زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار ، الأنصاري النجاري ، وهو مشهور بكنيته . شهد العقبة مع السبعين ، ثم شهد بدرا وما بعدها من المشاهد ، وهو زوج أم أنس بن مالك ، وكان من الرماة المذكورين ، وكان يسرد الصوم كثيرا . مات سنة إحدى وثلاثين ، وقيل : سنة اثنتين وثلاثين ، وقيل : سنة أربعة وثلاثين ، وهو ابن سبعين سنة ، وقيل غير ذلك . ينظر : تهذيب الكمال ( 10 / 75 - 77 ) ، الإصابة ( 1 / 566 ) ، تهذيب التهذيب ( 3 / 414 ) . ( 3 ) علقه البخاري ( 11 / 189 ) كتاب الأشربة : باب الباذق . وقال الحافظ في الفتح : وصله أبو مسلم