والمنصف بعد تأمّله في ذلك الكلام يجد من نفسه عاتقا عن جعله وسيلة للجرح بمجرّد الإسناد ، وكفاك بصيرة في ذلك ما عن المجلّد السابع من البحار في فصل فيه بيان التفويض ومعانيه في أثناء كلام . ولكن أفرط بعض المتكلّمين والمحدّثين في الغلوّ لقصورهم عن معرفة الأئمّة ، وعجزهم عن إدراك غرائب أحوالهم وعجائب شؤونهم ، فقدحوا في كثير من الرواة الثقات ؛ لنقلهم بعض غرائب المعجزات حتّى قال بعضهم : من الغلوّ نفي السهو عنهم عليهم السلام ، أو القول بأنّهم يعلمون ما كان وما يكون ، وغير ذلك ، مع أنّه قد ورد في أخبار كثير « لا تقولوا فينا ربّا وقولوا ما شئتم ولن تبلغوا » « 1 » ، وورد : « إنّ أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلّا ملك مقرّب أو نبيّ مرسل أو عبد مؤمن امتحن اللّه قلبه للإيمان » « 2 » ، وورد : « لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله » « 3 » وغير ذلك ممّا مرّ وسيأتي .
فلا بدّ للمؤمن المتدّين أن لا يبادر بردّ ما ورد عنهم من فضائلهم ومعجزاتهم ومعالي أمورهم ، إلّا إذا ثبت خلافه بضرورة من الدين ، أو بقواطع البراهين ، أو بالآيات المحكمة ، أو بالأخبار المتواترة ، كما مرّ في باب التسليم وغيره « 4 » ، انتهى كلامه .
هامش
( 1 ) انظر الاحتجاج 2 : 233 ، التفسير المنسوب للإمام العسكري عليه السّلام : 50 / ح 24 .
( 2 ) افرد الصفّار رحمه اللّه بابين في « حديثهم أو أمرهم صعب مستصعب » ، انظر بصائر الدرجات : 40 - 48 / الباب 11 و 12 ، وكذا الكليني رحمه اللّه في الكافي 1 : 401 / باب فيما جاء حديثهم صعب مستصعب ، وغيرهم الكثير من أجلاء علمائنا .
( 3 ) بصائر الدرجات : 45 / ح 21 ، الكافي 1 : 401 / ح 1 .
( 4 ) بحار الأنوار 25 : 347 .