قال يونس : وافيت العراق ، فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر عليه السّلام ، ووجدت أصحاب أبي عبد اللّه عليه السّلام متوافرين ، سمعت منهم وأخذت كتبهم ، وعرضتها من بعد على أبي الحسن الرضا عليه السّلام ، فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أحاديث أبي عبد اللّه عليه السّلام وقال : إنّ أبا الخطّاب كذب على أبي عبد اللّه عليه السّلام ، لعن اللّه أبا الخطّاب ، وكذلك أصحاب أبي الخطّاب يدسّون في هذه الأحاديث إلى يومنا هذا ، فلا تقبلوا خلاف القرآن . « 1 »
وثالثتها : من زعموا أنّ الأخبار المودعة في الكتب قطعيّة الاعتبار ، وهذا القول منسوب إلى طائفة منهم ، وهو مقتضي بعض أدلّتهم مثل الاعتماد على قول المشايخ من باب الشهادة ، وقد مرّ الكلام في تضعيفه هنا في الجملة ، وفي رسالتنا في حجّيّة الظن مستوفى ، فمن أراد زيادة البصيرة فليراجع إليها .
ولهم وجه آخر ما وجدت في كلامهم ، ونحن نذكر لهم ، وهو التمسّك بمنطوق آية النبأ الدالّ على جواز الاعتماد على خبر الفاسق بعد التبيين ، نظرا إلى أنّ التبيين أعمّ من القطعي والظنّي والتفصيلي والإجمالي ، والظنّي الإجمالي حاصل في كتب الأخبار بملاحظة القرائن الكثيرة التي منها تصديق المشايخ العظام ، شكر اللّه سعيهم ، بمحمّد وآله الكرام .
وهذه الوجه أمتن من جميع الوجوه التي ذكروها ، ويردّها وجوه ثلاثة :
الأوّل : منع عموم التبيين ، بل هو مختصّ بالقطعي كما هو معناه الحقيقي ؛ إذ هو مأخوذ من البيان الذي هو الظهور ، سيّما بعد ملاحظة العلّة المنصوصة في ذيلها ، وهي
أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ
« 2 » إلخ .
وسيّما أنّ تخصيص النهي عن الوثوق بخبر الفاسق على الغير المفيد للظنّ لا وقع له ؛ إذ سجيّة العقلاء قد استقرّت على عدم ترجيح أحد المتساويين على الآخر حذرا من الترجيح بغير مرجّح ، ومثل هذا لا يحتاج إلى النهي أصلا ، بل هذه قرينة واضحة على أنّ مورد النهي صورة الظنّ . اللّهمّ إلّا أن يقال : إنّ متعلّق النهي هو الظنّ الابتدائي الحاصل من الخبر ، وبعد التأمّل في حال المخبر وملاحظة فسقه يرتفع الوثوق
هامش
( 1 ) . انظر : المصادر السالفة .
( 2 ) . سورة الحجرات ، الآية 6 .