من الوباء وأخرى يبكون من هذا البلاء ، وثالثة يشكون من القحط والغلاء ، فندمت على القدوم ونسيت القدر المحتوم .
فلمّا قوي المزاج وقدر على الخروج والإخراج ، أعرضت عن القرار وعزمت على الفرار ، فمنعني الأحبّاء وصدّني الأصدقاء ، فلم أطق مفارقة الأهل والعيال فأحضرتهم على طريق الاستعجال ، فانتشر خبري بين الأعداء والأحباب فأجتمع لرؤيتي جماعة من المشتغلين والطلّاب ، فامتحنوني ببعض المطالب والمسائل وسألوني عن الحجج والدلائل ، فلمّا شاهدوني خالصاً من الشوائب واعتقدوني عالماً بالمقاصد والمطالب ، اجتمعوا عليّ لتحصيل الفقه والأصول وتعلّم المعقول والمنقول .
فبلغ أمري في الاشتهار إلى أن صار كالشمس في رابعة النهار ، فزارني الفضلاء ولاقاني العلماء ، وممّن لاقاني منهم العالم المشتهر في الآفاق وأعلم علماء البلد على الإطلاق فحل الفحول ، والناقد البصير في فن الأصول ، « الميرزا مهدي الشهير بالقاري » حرسه اللَّه الباري ، فباحثنا في مسألة ، فعرفني وعرفته وصدقني وصدقته ، وإنّما يعرف ذا الفضل من الناس ذووه .
فلمّا دار البدر على هذا المدار وبلغ الأمر إلى هذا المنار ، علا نحيب الباخلين وغلا قلوب الحاسدين ، لكنّ السرّ مكنون والشرّ مأمون ، إلى أن عيّن لي مسجد للصلاة ومنبر لبيان الأخبار والآيات ، فاجتمع عليّ أولوا الألباب من المشتغلين والطلاب والأكابر ، والأركان والأعاظم والأعيان ، والعبدة والأخيار والكسبة والتجّار ، والحاكم والمحكوم والظالم والمظلوم ، فاشتعل نار الحسد في بعض القلوب والصدور فظهرت آثاره غاية الظهور ، بين ما نسب لي إلى الخطابة والوعظ وقائل في حقّي بالفصاحة في اللفظ ، ومغلط لمنطقي بالجر والنصب ومحرّم لمسجدي بالقهر والغصب ، وحاصر علمي في الحكمة والكلام وماحر فضلي على تفسير آيات كتاب الملك العلّام ، وناطق بأنّ فنّه منحصر في الأصول وقائل بأنّه فقيه لا يقدر على تطبيق الدليل على المدلول ، وهاتف بأنّه فنّه معرفة الرواية وصائح بأنّه لا يعرف إلّاالرجال والدراية .
ميراث حديث شيعه — صفحة 562
مساهمون: مهدى مهريزى
ص٥٦٢