مدّة اللبث عن سنتين عرفت على الحسنة بين السيّئتين ، فخرجت إلى الحج قاطعاً ، وقد حصل لي من المال مقدار ألفي دينار ، لكنّي بذلت كثيراً منه في الوالد والإخوة والأرحام أو الفقراء والسادة من الأنام .
فركبت السفينة وقصدت « مكّة » و « المدينة » ، فلمّا وصلنا « جدّة » قصدنا ما قرّره إليه من الميقات وحدّه ، فأحرمنا ودخلنا الحرم وشكرنا اللَّه على ما أعطانا من النعم ، ثمّ عملنا مناسك العمرة والحجّ على الوجه المقرّر من اللَّه تعالى والمأثور من الحجج ، ولقد أعجبني التوطن في جوار اللَّه وأحببت أن ادعى بجار اللَّه ، لكنّي منعني مانع ازدحام الناصبين واجتماع أعداء العترة الطيّبين الطاهرين .
ولقد سبقتني إلى زيارة ذلك الحرم الأنوار أخي الجليل الأجل « السيّد علي أكبر » ، فصاحبني في المنزل وزاملني في المحمل ، فسافرنا من طريق النجد والجبل بقصد زيارة سيّد الكونين وأبي الحسنين [ عليهم السلام ] ، فوصلنا في أثناء الطريق إلى « المدينة » وزرنا صاحب الوقار والسكينة ، وبقينا خمسة آخرها العاشور وفي كلّ صباح ومساء ندعو ونزور ، وقد زرنا أئمّة البقيع وطفنا حول ذلك الحرم الشريف الرفيع ، ولنا في المقام قصص ممّا يوجب الهموم والغصص ممّا لا نطيل بذكرها بل نختار طيّها على غرّها .
فلمّا وصلنا بعد المشاقّ الكثيرة والصدمات الوفيرة إلى « النجف الأشرف » وفزنا بزيارة أمير المؤمنين وسيّد الوصييّن [ عليه السلام ] ، مرضت بالأمراض الشديدة وابتليت بالآلام العديدة ، فطال الأزمان وعلىّ من البلايا ألوان من المغصّ والإسهال وأمراض الكبد والطحال ، وسوء القَيْنَة والاستسقاء وتورّم الأعضاء وتهيج الأجزاء ، فتبدّلت الأمراض وتغيّرت الأعراض ، فكلّما ضعف واحد اشتدّ آخر ، إلى أن قوي القوّة وضعف الضعف بعد مضي شهر ونصف .
فخرجت لزيارة الحسين وقرّة عيني رسول الثقلين [ عليه السلام ] ، فصرت في تلك البلدة الشريفة بعد ورودي بأيّام محموماً حتّى صرت من الزيارة محروماً ، ففارقني أخي في البين وأحرم لزيارة الكاظمين [ عليهما السلام ] ، فبقي عندي أخي « السيّد حسن » [ و ] عرضني في تلك البلايا والمحن ، فلما زال المرض ومال العرض قصدت إلى بغداد لزيارة الجواد وجدّه الأمجد سيّد أهل الرشاد [ عليهما السلام ] .
ميراث حديث شيعه — صفحة 559
مساهمون: مهدى مهريزى
ص٥٥٩