بتلف مبلغ معتدّ به منه عند بعض من يدعي الأمانة والديانة من التجّار .
فبعت أثاث البيت وأتلفت أموالي من كيت وكيت ، فعزمت على المسافرة إلى طهران والتوطن في مشهد الرضا [ عليه السلام ] أو غيره من بلاد إيران ، فدلّني بعض الأصحاب من خلّص الأحباب إلى دار السلطنة تبريز صانها اللَّه عن التخريب والتهزيز ، فخلفت العيال في بلدة « الكاظمين » وفوّضت أمورهم إلى الإمامين الهمامين ، ثمّ أخذت في الحل والارتحال والنقل والانتقال ، إلى أن وردت فيها ونزلت في بعض زواياها ونواحيها ، وكان ذلك في عام ثمانية وثمانين ومئتين بعد الألف ( 1288 ) وهو عام الغلاء في تمام أطراف الدنيا .
وقد استقبلني جماعة من أهل بلادنا من الغرباء وأدخلوني البلد على زي الأعزّاء ، وتكلّفوا في المصادر والموارد وتحمّلوا لكلّ صادر ووارد ، وقد نزل على البلد البلاء واستولى على أهله الوباء ، فأتلف جمعاً كثيراً من الأكابر وأهلك جمّاً غفيراً من الأصاغر ، لا يرين في ربوعهم إلّاالشتات ولا يسمع من ألسنتهم إلّايقال : « فلان مات » .
وأنا لم أزل أحضر تشييع جنازة من فات واصلّي على الأموات ، ففاجأني ذلك الألم ، فقلت : قد جاء الأجل وجفّ القلم ف
« إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ »
« 1 » و
« إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ »
، « 2 » فأوصيت إلى بعض الأحباب وأعددت نفسي لإجابة الخطاب .
ثمّ إن اللَّه تعالى من فضله عافاني ومن طوله شافاني ، فلم أقم بعدُ على الساق ولم أقدر على المشي والانطلاق ، إلّاأن أرسل عليهم سيل العرم حتّى خاف منه كلّ طفل رضيع وشيخ هرم ، فخربت الأبنية والدور وانهدمت المقاصر والقصور ، وسقطت الأبواب ووقعت الأخشاب ، وضرعت الأعتاب وطاحت الأسباب ، وخرج من البيوت كلّ غني وفقير وقريب وبعيد
« وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ »
، « 3 » فلمّا غيض الماء وارتفع البلاء شاهدنا الأمكنة كأنّها لم تكن محدودة ، ورأينا الأبنية كأنّها لم تكن موجودة ، والناس في صراخ وحنين وصياح وأنين ، فتارة ينتجبون
هامش
( 1 ) . سورة الزمر ، الآية 30 .
( 2 ) . سورة البقرة ، الآية 156 .
( 3 ) . سورة الحج ، الآية 2 .