أقول : وقد رأى ابن بطوطة عمارة عضد الدولة سنة سبع وعشرين وسبعمئة عند وروده من مكّة المعظّمة ، قال :
فنزلنا مدينة مشهد عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه بالنجف ، وهي مدينة حسنة في أرض فسيحة صلبة ، من أحسن مدن العراق ، وأكثرها ناساً ، وأتقنها بناءً ، ولها أسواق حسنة نظيفة ، دخلناها من باب الحضرة ؛ فاستقبلنا سوق البقّالين والطبّاخين والخبّازين ، ثمَّ سوق الفاكهة ، ثمَّ سوق الخيّاطين والقيساريّة ، ثمَّ سوق العطّارين ، ثمَّ باب الحضرة حيث القبر الذي يزعمون أنّه قبر عليّ عليه السلام ، وبإزائه المدارس والزوايا والخوانق معمورة أحسن عمارة ، وحيطانها بالقاشاني ، وهو شبه الزليج « 1 » عندنا ، لكنَّ لونه أشرق ، ونقشه أحسن .
- ثمّ قال : - ويدخل من باب الحضرة إلى مدرسة عظيمة يسكنها الطلبة والصوفيّة من الشيعة ، ولكلِّ واردٍ عليها ضيافة ثلاثة أيّام من الخبز واللّحم والتمر مرَّتين في اليوم ، ومن تلك المدرسة يُدخَل باب القُبّة ، وعليها الحُجّاب والنقباء والطواشيَّة « 2 » ؛ فعندما يصل الزائر يقوم إليه أحدهم أو جميعهم ، وذلك على قَدْرِ الزائر ، فيقفون [ معه ] على العتبة ويستأذنون له ، فيقولون : « عن أمركم يا أمير المؤمنين ؛ هذا العبد الضعيف يستأذن على دخوله للروضة العليَّة ، فإن أذنتم [ له ] وإلّارجع ، وإن لم يكن أهلًا لذلك فأنتم أهل المكارم والسَّتْر » ، ثمّ يأمرونه بتقبيل العتبة وهي من فضّة ، وكذلك العضادتان ، ثمَّ يدخل القُبّة ، وهي مفروشة بأنواع البُسُط من الحرير وسواه ، وبها قناديل الذهب والفضّة ، منها الكبار والصغار ، [ و ] في وسط القُبَّة مسطبة مربَّعة مَكسوّة بالخشب عليه صفائح الذهب المنقوشة المُحكَمَة العمل مُسمَّرة بمسامير الفضَّة ، قد غلبت على الخشب بحيث لا يظهر منه شيء ، وارتفاعها دون القامة ، وفوقها [ ثلاثة ] من القبور ، يزعمون [ أنّ ] أحدها قبر آدم عليه السلام ، والثاني قبر نوح عليه السلام ، والثالث قبر عليّ عليه السلام ، وبين القبور طسوت ذهبٍ وفضّةٍ ؛ فيها ماء الورد والمِسْك وأنواع الطيب ، يغمس الزائر يده في ذلك ، ويدهن به وجهه تبرّكاً ، وللقبّة بابٌ آخر عتبته أيضاً من الفضّة ، وعليه ستورٌ من الحرير المُلوَّن ، يفضي إلى مسجد مفروش بالبُسُط الحِسان ، ومستورةٌ حيطانه وسقفه بستور الحرير ، وله أبواب أربعة عتباتها
هامش
( 1 ) . الزليج : نوع من القاشاني يصنع في بلاد المغرب ، وتزيّن به جدران المساجد والمدارس والترب .
( 2 ) . الطواشيّة : جمع « طواشي » وهو الخصيّ .