وحِياشةً لهم إلى جنّتِه ، يقال : « وحُشْتُ الصيدَ أحُوشُه » إذا جئته من حوإليه لتصرفَه إلى الحِبالة .
ولا يخفى ما في التعبير بالذيادة في الأوّل ، والحياشة في الثاني من اللطف والإشعار بأنّ الخلق بمقتضى طباعهم « 1 » ونفوسهم مائلون إلى ما يوجب العقاب متنفّرون عمّا يوجب الثواب ، فيحتاجون إلى الذيادة في الأوّل والحياشة في الثاني .
وأشهدُ أنّ أبي محمّداً « 2 » عبدُه ، والعبوديّة من أعلى المراتب كما قال عليه السلام « 3 » : « إلهي ، كفاني فخراً أن أكون لك عبداً ، وكفاني عزّاً أن تكون لي ربّاً « 4 » ، وقال تعالى مخاطباً لإبليس اللعين :
« إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ »
« 5 » ورسولُه الذي أرسله بشيراً ونذيراً بالهدى والحقّ « 6 » إلى الخلق ، اختارَهُ وانتَجَبَهُ قبلَ أنْ أرسلَه في الذرّ حين ذرأه ، وفي البريّة حين برأه ، وسمّاه لأنبيائه وملائكته وأخذ العهود عليهم بالإيمان به قبلَ أن اجتَبَلَه « 7 » أي خلقه ، والجِبِل : الخلق ، يقال : « جبلهم اللَّه » أي خلقهم ، وزيادة البناء مبالغة للإشارة إلى أنّه « 8 » خلق عظيم ، وفي بعض النسخ بالحاء المهملة ، يقال : « احتَبَلَ الصيدَ » أي أخذه بالحِبالة ، فهو كناية عن إيجاده صلى الله عليه وآله في عالم الأجسام ؛ فإنّ الأبدان للأرواح بمنزلة القَفَص للطائر ، لما تحقّق من تقدّم خلق الأرواح على الأبدان ، وفي بعضها : « قبل أن اجتباه » أي اصطفاه بالبعثة .
واصطفاه على جميع مخلوقاته المادّيات والمجرّدات قبلَ أن ابتعثه إلى دعوة الخلائق ؛ إذ الخلائقُ بالغيب مكنونةٌ ، أي اختاره وانتجبه واصطفاه حين كوّن الخلائق مكنونة ومستورة بالغيب الذي هو كناية عن العدم ، وبسترِ الأهاويلِ مصونةٌ ، أي ستر العدم أو حجب الأصلاب والأرحام ، ونسبتُه إلى الأهاويل لما يلحق الأشياء في تلك
هامش
( 1 ) . م : « أطباعهم » .
( 2 ) . س : + « صلّى اللَّه عليه وآله » .
( 3 ) . س : « صلّى اللَّه عليه وآله » .
( 4 ) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج 20 ، ص 255 ، ح 2 ، وفيه « عزّاً » بدل « فخراً » و « فخراً » بدل « عزّاً » .
( 5 ) . سورة الحجر ، الآية 42 ، سورة الإسراء ، الآية 65 .
( 6 ) . م : « بالهدى ودين الحقّ والحقّ » .
( 7 ) . في المصدر : اجتباه .
( 8 ) . س : + « ص » .