ومقدار ولا ممثّل ولا مقدور حتى يعمل ويخلق - جلّ شأنه - بمثله ويحذو حذوه .
وأمّا الثاني فلاستحالة حصول الصور والمقادير في ذاته تعالى ، ولامتناع استفاضتها من الغير ، فكان صنعه تعالى محض الابتداع ، وفعله مجرّد الاختراع من غير مثال ؛ تعالى عن صفات المخلوقين ، وتنزّه عن شبه المربوبين .
كَوّنَهَا بِقُدْرتِه الكاملة ، المنزّهة عن الضعف والنقصان ، إنّما يقول لما يشاء كونه ويريد وجوده : « كنْ » فيكون ذلك الشيء من غير مهلة وتراخٍ ، والمرادُ بقوله « 1 » للشيء « كن » حكمُه وقضاؤه عليه بالوجود ، لا التلفّظ بهذا اللفظ والنطق به .
وذَرَأها أي خلقها وأوجدها من باب نفع ، بمشيّته أي بإرادته ، لا بعزم وإرادة زائدة على ذاته . وقيل : المشيّة هي العلم بالشيء مع ما به يترجّح به وجوده ، فهي حينئذٍ نوع من العلم مغايرة للإرادة .
وكيفما كان فمشيّته وإرادته تعالى تتعلّقان « 2 » بالأشياء كلّها ، لكن تعلُّقهما « 3 » بها على وجوه مختلفة : فتعلّقهما « 4 » بأفعال نفسه بمعنى إيجادها والرضا بها ؛ لكونها كلّها حسنة واقعة على وجه الحكمة ( ، اشتر القليل تابع لخيرات كثيرة فيه وليس مراداً ) « 5 » بالذات ،
وتعلُّقهما بأفعال العباد : أمّا بالطاعات فهو إرادة وجودها والرضا بها أو الأمر بها ، وأمّا بالمباحات فهو الرخصة بها ، وأمّا المعاصي فهو إرادة أن لا يمنع منها بالجبر والقهر أو إرادة عدمها ، وبذلك فسّر قوله تعالى :
« وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا »
« 6 » أي لو شاء عدم شركهم على سبيل الإجبار ما أشركوا ، ولكن لم يشأ على هذا الوجه ؛ لمنافاته غرض التكليف ، وإنما شاء على سبيل الاختيار لتكون لهم القدرة على الفعل والترك .
مِن غيرِ حاجةٍ منه إلى تكوينِها ، ولا فائدةٍ له في تصويرِها من تشديد سلطان ، أو خوفٍ من زوال ونقصان ، أو استعانة على ضدّ أو ندّ ؛ لأنّه إنما يحتاج إلى الناصر والمعين
هامش
( 1 ) . س : + « تعالى » .
( 2 ) . س : « يتعلّقان » . م : « تعلّقان » .
( 3 ) . س : « تعلّقها » .
( 4 ) . س : « فتعلّقها » .
( 5 ) . من « س » وسقطت من « م » .
( 6 ) . سورة الأنعام ، الآية 107 .