يمكنه إدراك الواجب المنزَّه عنها ، وفي الحديث [ عن ] الصادق « 1 » : « يا ابنَ آدمَ ، لو أكل قلبَك طائرٌ صغير لم يُشبعه ، وبصرك لو وضع عليه خرق إبرة لغطّاه ، تريد أن تعرف بهما ملكوت السماوات والأرض ؟ ! إن كنت صادقاً فهذه الشمس خلقٌ من خلق اللَّه « 2 » ، فإن قدرت أن تملأ عينيك منها فهو كما تقول » . « 3 »
ابتدعَ الأشياءَ لا من شيءٍ كان قبلَها ، لا يخفى لطف هذه العبارة الشريفة وما فيها من الإشارة إلى ردّ شُبه الثنويّة ، وقد تخرّجت عليها السلام بوجه حسن حيث لم تجعل العدم مادّة للأشياء بأن تقول : « من لا شيء » ، حتى ترد شُبه الملاحدة ؛ ونظير ذلك قول أمير المؤمنين عليه السلام : « الحمد للَّهالذي لا من شيء كان ، ولا من شيء خلق ما كان » . « 4 »
وتوضيح ذلك أنّ أقوى ما تمسّك به الثنويّة في حدوث العالم من أصل ومثال ونفي حدوثه على سبيل الإبداع والاختراع أن قالوا : لا يخلو من أن يكون الخالق « 5 » خلق الأشياء من شيء أو من لا شيء ، والثاني باطل ؛ إذ لا يجيئ من لا شيء ، شيءٌ بالضرورة ، فتعيّن الأوّل ، وهو المطلوب .
والجواب أنّ كلًّا من شِقَّي الترديد باطل ؛ إذ ليس الشقّ « 6 » الثاني نقيضاً للشقّ الأوّل حتى يلزم من بطلان الثاني ثبوت الأوّل ، ومن بطلانهما ارتفاع النقيضين ؛ فإنّ لنا أن نختار شقّاً ثالثاً هو نقيض الأوّل ، وهو أنّه « 7 » خلق لا من شيء .
ووجه بطلان الشقّين أنّ قولهم « من شيءٍ » خطأ ؛ لأنّه يستلزم عجز الواجب ، وسلب التدبير عنه ، وافتقاره إلى الغير في تنفيذ قدرته ، وثبوت قديم « 8 » غيره ، وكلُّ ذلك محالٌ ، وقولهم « من لا شيء » إحالة وتناقض ؛ إذ قد تحقّق في محلّه أنّ العدم لا يكون
هامش
( 1 ) . س : + « ع » .
( 2 ) . س : + « عزّ وجلّ » .
( 3 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 93 ، ح 8 ، التوحيد للصدوق ، ص 455 ، باب 67 ، ح 5 ؛ الاعتقادات للصدوق ، ص 42 .
( 4 ) . بحار الأنوار ، ج 4 ، ص 221 ، ح 2 ، وج 57 ، ص 46 ح 21 ، وص 175 ، ح 130 وج 90 ، ص 138 ، ح 7 ، وفيه : « كوّن » بدل « خلق » .
( 5 ) . س : + « تعالى » .
( 6 ) . م : - « الشقّ » .
( 7 ) . س : + « تعالى » .
( 8 ) . في س وهامش م مع علامة ظاهر : « قدم » .