لا تقول « لا » فأنصرف ، أو « نعم » فأمضي معك ؟ فقال حياءً وتكرّماً : فاذهب بنا .
فأخذ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بيد عليٍّ عليه السلام فانطلقا حتى دخلا على فاطمة عليها السلام وهي في مصلّاها ، قد قضت صلاتها وخلفها جَفنة تفور دخاناً [ بخاراً ] ، فلمّا سمعتْ كلام رسول اللَّه صلى الله عليه وآله خرجت من مصلّاها فسلّمت عليه وكانت أعزّ الناس عليه ، فردّ السلام ومسح بيديه على رأسها وقال لها : يا بنتاه ، كيف أمسيتِ رحمكِ اللَّه ؟ قالت : بخير . قال : عَشّينا رحمكِ اللَّه وقد فعل .
فأخذَت الجفنة فوضَعْتها بين يدي رسول اللَّه وعلي عليهما السلام ، فلمّا نظر علي عليه السلام إلى الطعام وشمّ ريحه رمى فاطمةَ ببصره رمياً شحيحاً ، فقالت له : سبحان اللَّه ! ما أشحّ نظرَك وأشدَّ ! هل أذنبت فيما بيني وبينك ذنباً أستوجب به منك السخط ؟
فقال : وأيّ ذنب أعظم من ذنب أصبتيه ؟ ! أليس عهدي بك اليوم الماضي وأنت تحلفين باللَّه مجتهدة : ما طعِمتِ طعاماً منذ يومين ؟ !
قال : فنظرتْ إلى السماء وقالت : إلهي يعلم ما في سمائه وأرضه ، إنّي لم أقل إلّاحقّاً .
فقال لها : يا فاطمة ، أنّى لكِ هذا الطعام الذي لم أنظر إلى مثل لونه ولم أشمّ مثل رائحته قطّ ، ولم آكل أطيب منه ؟ !
قال : فوضع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله كفَّه الطيّبة المباركة بين كتفَي عليٍّ عليه السلام فغمزها ثمّ قال : يا علي ، هذا بدل عن دينارك ، فهذا جزاء دينارك من عند اللَّه ؛
« إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ »
.
ثمّ استعبر النبيّ باكياً ثمّ قال : الحمد للَّهالذي أبى لكما أن تخرجا من الدنيا حتى يُجريك - يا علي - مجرى زكريا ، ويجري فاطمة مجرى مريم بنت عمران . « 1 »
182 . وعن موسى بن جعفر ، عن آبائه : قال : إنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله دخل على ابنته فاطمة عليها السلام وإذا في عنقها قِلادة ، فأعرض عنها ، فقطعْتها ورمت بها [ إليه ] ، فقال لها رسول اللَّه : أنتِ منّي يا فاطمة . ثمّ جاء سائل فناوله القلادة ، ثمّ قال : اشتدّ غضب اللَّه على
هامش
( 1 ) . كشف الغمة ، ج 2 ، ص 97 ، وهنا علّق الإربلي على هذا الخبر قال : « حديث الطعام أورده الزمخشري في كشافه عند تفسير قوله تعالى : « كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا » الآية ، وقد ذكرته في المجلد الأول » ، ولكنا لم نجده فيه في مظانّه .