تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرواة المشتركون بين الشيعة والسنة — صفحة 428

مساهمون:

ص٤٢٨
وممّا مرّ يمكن أن نتأمّل ما نقله الطبري من أنّ أبا حنيفة بعد امتناعه من قبول قضاء بغداد فقد ولّاه القيام ببناء بغداد وضرب اللبن وعدّه وأخذ الرجال بالعمل ، فكان أبو حنيفة المتولّي لذلك حتّى فرغ من استتمام بناء حائط المدينة ممّا يلي الخندق ، وكان استتمامه في سنة 149 ه « 1 » . ويحكى أنّ المنصور قال يوما لأبي حنيفة : يا أبا حنيفة ! إنّ الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد ، فهيّئ له من مسائلك تلك الصعاب ، فقال : فهيّأت له أربعين مسألة ، ثم بعث إليّ أبو جعفر فأتيته بالحيرة ، فدخلت عليه وجعفر جالس عن يمينه ، فلمّا بصرت بهما دخلني لجعفر من الهيبة ما لم يدخلني لأبي جعفر ، فسلّمت ، وأذن لي أبو جعفر فجلست ، ثم التفت إلى جعفر فقال : يا أبا عبد اللّه ، تعرف هذا ؟ قال : « نعم ، هذا أبو حنيفة » ثم أتبعها : « قد أتانا » ثم قال : يا أبا حنيفة ! هات من مسائلك ، سل أبا عبد اللّه ، فابتدأت أسأله ، قال : فكان يقول في المسألة : أنتم تقولون فيها كذا وكذا ، وأهل المدينة يقولون كذا ، ونحن نقول كذا . ولمّا سئل أبو حنيفة : من أفقه من رأيت ؟ قال : « ما رأيت أحدا أفقه من جعفر بن محمد » « 2 » . ويستفاد من هذه الحكاية أمران : الأول : أنّ المذهب الفقهي لأهل المدينة والكوفة - حيث كان إمامهم أبو حنيفة - غير المذهب الفقهي لأهل البيت عليهم السّلام . والثاني : أنّ أبا حنيفة كان في بداية الأمر يحسن الظنّ بالعباسيّين ، ولعلّ هذا ما حدا بأبي زهرة إلى القول بأنّ المنصور تعامل مع عبد اللّه بن الحسن وأبنائه بخشونة ، وأنّه أرسلهم في الأغلال والسلاسل من المدينة إلى الهاشمية « 3 » ، وحبسهم فيها حتّى مات
هامش
( 1 ) . تاريخ الطبري 7 : 619 ، أبو حنيفة حياته وعصره : 39 . ( 2 ) . الكامل في ضعفاء الرجال 2 : 555 ، سير أعلام النبلاء 6 : 257 - 258 . ( 3 ) . الهاشمية : مدينة بناها أبو العباس السفّاح ، وقد حبس فيها عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي عليه السّلام وأسرته بأمر المنصور ( معجم البلدان 5 : 389 ) .