المغازي ، كما وصلتنا أجزاء من كتابات الزهري في السيرة . ويعتبر كلّ من موسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق أهمّ ممثّلي المرحلة الثانية من مراحل كتابة السيرة ، وأقدم من كتب في ظلّ حكومة العباسيّين .
وتكمن أهمية ابن إسحاق كمؤرّخ في استيعابه لتجارب شيوخه ، وفي تطويرها ، وإعادة تنظيمها ، من خلال فهمه الجديد للتاريخ ، ومن هنا عرف ابن إسحاق بشيخ كتّاب السيرة ، وصار من كتبوا بعده عيالا عليه « 1 » .
ويبدو أنّ ابن إسحاق كان قد صنّف السيرة أو جزءا منها قبل مغادرة المدينة ، وعندما نزل بالكوفة حدّث عنه كوفيون كثيرون ، ثم انتقل إلى بغداد في ركاب المنصور بعد بناء المدينة ، فحدّث عنه بها آخرون . . . وحدّث عنه ثلاثة من هؤلاء الذين حدّثوا عنه لصلتهم بسيرته ، وهم : زياد بن عبد اللّه البكائي ( 183 ه ) ومحمد بن سلمة الحرّاني ( 191 ه ) ويونس بن بكير ( 199 ه ) .
وقد كلّف المنصور ابن إسحاق بملازمة ابنه المهدي ، فصحبه طويلا ، وسافر معه إلى خراسان حيث حدّث هناك بالريّ وأملى ، وبأمر من المنصور صنّف ابن إسحاق السيرة للمهدي ، فلمّا اطّلع عليها المنصور طلب إليه القيام ببعض التعديلات فيها .
وهكذا تكوّنت ثلاث نسخ من السيرة ، تلك الأولى في العهد المدني ، والثانية في العهد الكوفي ، والثالثة في العهد البغدادي لو صحّت التسمية ، وقد بقيت أجزاء من النسختين الأولى والثانية إذا ماقورنتا مع النسخة الثالثة ، تسمحان لنا بالقول بأنّ المنصور أراد من ابن إسحاق التركيز بشكل أوضح على دور العباس بن عبد المطلب وأخباره مع النبي صلّى اللّه عليه واله ، وخدماته للإسلام . ونرى أنّ رواية يونس بن بكير تمثّل الشكل الأول غالبا ، بينما تمثّل رواية البكائي الشكل الثاني ، ورواية محمد بن سلمة الشكل
هامش
( 1 ) . وقد خصّص ابن سيّد الناس فصلا من كتابه للدفاع والثناء على ابن إسحاق ( عيون الأثر 1 : 10 - 21 ) .