كما وسافر إلى الحجاز في رحلة ثانية سنة 150 ه ، في زمان بني العباس ، وفي حياة مالك بن أنس وسفيان الثوري . يقول ضمرة بن ربيعة : « حججنا مع الأوزاعي سنة خمسين ومائة ، فما رأيته مضطجعا في المحمل في ليل ولا نهار قطّ ، كان يصلّي ، فإذا غلبه النوم استند إلى القتب » « 1 » .
وقال سفيان بن عيينة وغيره : « كان الأوزاعي إمام أهل زمانه ، وقد حجّ مرّة فدخل مكّة وسفيان الثوري آخذ بزمام جمله ، ومالك بن أنس يسوق به ، والثوري يقول :
افسحوا للشيخ ، حتّى أجلساه عند الكعبة ، وجلسا بين يديه يأخذان عنه » « 2 » .
ويحكى أنّه تذاكر مالك والأوزاعي مرّة بالمدينة من الظهر حتّى صلّيا العصر ، ومن العصر حتّى صلّيا المغرب ، فغمره الأوزاعي في المغازي ، وغمره مالك في الفقه أو في شيء من الفقه « 3 » .
كما وتناظر الأوزاعي والثوري في مسجد الخيف في مسألة رفع اليدين في الركوع والرفع منه ، فاحتجّ الأوزاعي على الرفع في ذلك بما رواه عن الزهري عن سالم عن أبيه : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله كان يرفع يديه في الركوع والرفع منه ، واحتجّ الثوري على ذلك بحديث يزيد بن أبي زياد ، فغضب الأوزاعي وقال : تعارض حديث الزهري بحديث يزيد بن أبي زياد ، وهو رجل ضعيف ؟ ! فاحمرّ وجه الثوري ، فقال الأوزاعي : لعلّك كرهت ما قلت ؟ قال : نعم ، قال : قم بنا حتّى نلتعن عند الركن : أيّنا على الحقّ ، فسكت الثوري « 4 » .
وعدّ الأوزاعي من حفّاظ القرآن ، فعن العباس بن الوليد قال : قلت لأبي : كان الأوزاعي يحفظ القرآن ؟ قال : ثكلتك أمك ، وأيّ شيء كان لا يحفظ الأوزاعي ؟ « 5 »
هامش
( 1 ) . سير أعلام النبلاء : 119 .
( 2 ) . البداية والنهاية 10 : 116 .
( 3 ) . المصدر السابق .
( 4 ) . المصدر نفسه .
( 5 ) . الجرح والتعديل 1 : 204 .