تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهجة الآمال في شرح زبدة المقال — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
الوقت أوان زهرها ، وفيه من الأشجار الجيّدة العظيمة شجر الصنوبر والدلب والصفصاف واللول وشجر البلوط ، وهذه الأشجار كلّها مختلطة بعضها ببعض ، ورأينا فيه أنواعا كثيرة من الفواكه قد انعقد حبّها ولا نعرف أسمائها ولا رأيناها قبل ذلك اليوم أبدا . ثمّ سرنا منه أيّاما كثيرة ثمّ وصلنا إلى أرض أكثر شجرها الفواكه سيّما الخوخ والتفّاح وأكثر ما اشتمل عليه ذلك الوادي يوجد فيها ، وسرنا في هذه الأرض خمسة أيّام وهي من أعجب ما رأينا من أرض اللّه تعالى وأحسنها وأكثرها فاكهة مجتمعة بعضها ببعض كأنّها حدائق منضوده بالغرس لا يدخل بينها أجنبىّ وفيها أشجار عظيمة طولا وعرضا وربّما بلغ طولها مأتى شبر فصاعدا ، ودور بعضها يبلغ ثلاثين شبرا فصاعدا ، ومررنا في جملة هذا السير على مدن حسنة وقرى جيّدة ، وكان وصولنا إلى مدينة قسطنطينيّة يوم الاثنين سابع عشر شهر ربيع الأوّل من السنة السابقة وهي سنة : اثنتين وخمسين وتسعمأة ، ورفق اللّه تعالى لنا منزلا حسنا رفقا من أحسن مساكن البلد قريبا إلى جميع أغراضنا ، وبقيت بعد وصول ثمانية عشر يوما لا أجتمع بأحد من الأعيان . ثمّ اقتضى الحال ان كتبت في هذه الأيّام رسالة جيّدة تشتمل على عشرة مباحث جليلة كلّ بحث في فنّ من الفنون العقليّة والفقهيّة والتفسير وغيرها ، وأوصلتها إلى قاضى العسكر وهو محمّد بن قطب الدين محمد ابن محمد بن قاضى زادة الرومي ، وهو رجل فاضل أديب عاقل لبيب من أحسن الناس خلقا وتهذيبا وأدبا ، فوقعت منه موقعا حسنا وحصل لي بسبب ذلك منه حظّ عظيم وأكثر من تعريفى والثناء علىّ للأفاضل ، واتّفق في خلال هذه المدّة بيني وبينه مباحثة في مسائل كثيرة من الحقايق .