وتسعمأة مشتغلا بمطالعة العلم ومذاكرته مستفرغا وسعى في ذلك ، ثمّ برزت إلى الأوامر الالهيّة والإشارات الربّانية بالسفر إلى جهة الروم ، والاجتماع بمن فيها من أهل الفضايل والعلوم والتعلّق بسلطان الوقت والزمان السلطان سليمان بن عثمان ، وكان ذلك على خلاف مقتضى الطبع وسياق الفهم لكن ما قدر ما تصل اليه الفكرة الكليلة والمعرفة القليلة من أسرار الحقايق وأحوال العواقب والكيّس الماهر هو المستسلم في قبضة العالم الخبير القاهر المتمثل لأوامره الشريفة المنقاد إلى طاعته المنيفة ، كيف لا وانّما يأمر بمصلحة تعود على المأمور مع اطّلاعه على دقايق عواقب الأمور وهو الجواد المطلق والرحيم المحقّق ، والحمد للّه على انعامه واحسانه وامتنانه ، والحمد للّه الذي لا ينسى من ذكره ، ولا يهمل من غفل عنه ، ولا يؤاخذ من صدف عن طاعته ، بل يقوده إلى مصلحته ويوصله إلى بغيته .
وكان الخروج إلى السفر المذكور بعد بوادر الأمر به والنواهي عن تركه والتخلّف عنه وتأخيره إلى وقت آخر ثاني عشر ذي الحجّة الحرام سنة : احدى وخمسين وتسعمأة وأقمت بمدينة دمشق بقيّة الشهر ، ثمّ ارتحلت إلى حلب ووصلت إليها يوم الأحد سادس عشر شهر المحرّم سنة : اثنتين وخمسين وتسعمأة وأقمت بها إلى السابع من شهر صفر من السنة المذكورة ، ومن غريب ما اتّفق لنا بحلب انّا أزمعنا عند الدخول إليها على تخفيف الإقامة بها بكلّ ما أمكن ولم ننو الإقامة ، فخرجت قافلة إلى الروم على الطريق المعهود المارّ بمدينة اذنه ، فاستخرنا اللّه على مرافقتها فلم يخرلنا ، وكان قد تهيّأ بعض طلبة العلم من أهل الروم إلى السفر على طريق طرقات وهو طريق غير مسلوك غالبا لقاصد قسطنطينيّة
بهجة الآمال في شرح زبدة المقال — صفحة 276
مساهمون: سيد هداية الله مسترحمى اصفهانى
ص٢٧٦