قالَ العاقِبُ : أجَل .
قالَ : فَهَل يَتَخالَجُكَ في ذلِكَ رَيبٌ ، أو يَعرِضُ لَكَ فيهِ ظَنٌّ ؟
قالَ العاقِبُ : كَلّا وَالمَعبودِ ، إنَّ هذا لَأَجلى مِن بُوحٍ « 1 » - وأَشارَ لَهُ إلى جِرمِ الشَّمسِ المُستَديرِ - .
فَأَكَبَّ حارِثَةُ مُطرِقاً وجَعَلَ يَنكُتُ فِي الأَرضِ عَجَباً ، ثُمَّ قالَ : إنَّمَا الآفَةُ - أيُّهَا الزَّعيمُ المُطاعُ - أن يَكونَ المالُ عِندَ مَن يَخزِنُهُ لا مَن يُنفِقُهُ ، وَالسِّلاحُ عِندَ مَن يَتَزَيَّنُ بِهِ لا مَن يُقاتِلُ بِهِ ، وَالرَّأيُ عِندَ مَن يَملِكُهُ لا مَن يَنصُرُهُ .
قالَ العاقِبُ : لَقَد أسمَعتَ - يا حُوَيرِثُ - فَأَقذَعتَ « 2 » ، وطَفِقتَ فَأَقدَمتَ ، فَمَهْ ؟ !
قالَ : اقسِمُ بِالَّذي قامَتِ « 3 » السَّماواتُ وَالأَرَضونَ بِإِذنِهِ ، وغَلَبَتِ الجَبابِرَةُ بِأَمرِهِ ، إنَّهُمَا اسمانِ مُشتَقّانِ لِنَفسٍ واحِدَةٍ ولِنَبِيٍّ واحِدٍ ورَسولٍ واحِدٍ « 4 » ، أنذَرَ بِهِ موسَى بنُ عِمرانَ ، وبَشَّرَ بِهِ عيسَى بنُ مَريَمَ ، ومِن قَبلِهِما أشارَ بِهِ صُحُفُ إبراهيمَ عليه السلام .
فَتَضاحَكَ السَّيِّدُ ؛ يُري قَومَهُ ومَن حَضَرَهُم أنَّ ضِحكَهُ هُزءٌ مِن حارِثَةَ وتَعَجُّبٌ .
وَانتَشَطَ « 5 » العاقِبُ مِن ذلِكَ ، فَأَقبَلَ عَلى حارِثَةَ مُؤَنِّباً فَقالَ : لا يَغرُركَ باطِلُ أبي قُرَّةَ ، فَإِنَّهُ وإن ضَحِكَ لَكَ فَإِنَّما يَضحَكُ مِنكَ .
هامش
( 1 ) . بُوح : الشمس ؛ سُمّيت بذلك لظهورها ( لسان العرب : ج 2 ص 416 « بوح » ) .
( 2 ) . القذع : الخنا والفحش . . . يقال : قذعته وأقذعته ؛ إذا رميته بالفحش وشتمته ( الصحاح : ج 3 ص 1261 « قذع » ) .
( 3 ) . في المصدر : « قامت به . . . » ، والتصويب من بحار الأنوار .
( 4 ) . في المصدر : « واحد لنبي وواحد رسول واحد » بدل « ولنبي واحد ورسول واحد » ، والتصويب منبحار الأنوار .
( 5 ) . النشط : اللسع باختلاسٍ وسرعةٍ ، وكلّ شيء اختُلس فقد انتشط ( الفائق في غريب الحديث : ج 2 ص 277 « ضحضح » ) .