لا يَبقى بِجَزيرَةِ العَرَبِ بَيتٌ إلّاوهُوَ راغِبٌ إلَيهِم أو راهِبٌ لَهُم ، ثُمَّ يُدالُ بَعدَ لَأيٍ « 1 » مِنهُم ، ويَشعَثُ سُلطانُهُم حَدّاً حَدّاً ، وبَيتاً فَبَيتاً ، حَتّى تَجيءَ أمثالُ النَّغَفِ « 2 » مِنَ الأَقوامِ فيهِم ، ثُمَّ يَملِكُ أمرَهُم عَلَيهِم عُبَداؤُهم وقِنُّهُم ، يَملِكونَ جيلًا فَجيلًا ، يَسيرونُ فِي النّاسِ بِالقَعسَرِيَّةِ « 3 » خبطاً خبطاً ، ويَكونُ سُلطانُهُم سُلطاناً عَضوضاً ضَروساً ، فَتَنقُصُ الأَرضُ حينَئِذٍ مِن أطرافِها ، ويَشتَدُّ البَلاءُ وتَشتَمِلُ الآفاتُ ، حَتّى يَكونَ المَوتُ أعَزَّ مِنَ الحَياةِ الحَمراءِ ، أو أحَبَّ حينَئِذٍ إلى أحَدِهِم مِنَ الحَياةِ ، وما ذلِكَ إلّالِما يُدهَونَ « 4 » بِهِ مِنَ الضُّرِّ وَالضَّرّاءِ ، وَالفِتنَةِ العَشواءِ .
وقُوّامُ الدّينِ يَومَئِذٍ وزُعَماؤُهُم يَومَئِذٍ اناسٌ لَيسوا مِن أهلِهِ ، فَيَمُجُّ الدّينُ بِهِم وتَعفو آياتُهُ ، ويُدبِرُ تَوَلِّياً وإمحاقاً ، فَلا يَبقى مِنهُ إلَّااسمُهُ ، حَتّى يَنعاهُ ناعيهِ ، وَالمُؤمِنُ يَومَئِذٍ غَريبٌ ، وَالدَّيّانونَ قَليلٌ ما هُم ، حَتّى يَستَأيِسُ « 5 » النّاسُ مِن رَوحِ اللَّهِ وفَرَجِهِ إلّاأقَلُّهُم ، وتَظُّنُّ أقوامٌ أن لَن يَنصُرَ اللَّهُ رُسُلَهُ ويُحِقَّ وَعدَهُ ، فَإِذا بِهِمُ الشَّصائِبُ « 6 » وَالنِّقَمُ ، واخِذَ مِن جَميعِهِم بِالكَظمِ ، تَلافَى اللَّهُ دينَهُ ، وراشَ « 7 » عِبادَهُ مِن بَعدِ ما قَنَطوا بِرَجُلٍ مِن ذُرِّيَّةِ نَبِيِّهِم أحمَدَ ونَجلِهِ ، يَأتِي اللَّهُ عز وجل بِهِ مِن حَيثُ لا يَشعُرونَ ، تُصَلّي عَلَيهِ السَّماواتُ وسُكّانُها ، وتَفرَحُ بِهِ الأَرضُ وما عَلَيها مِن سَوامٍ وطائِرٍ وأَنامٍ ، وتَخرُجُ لَهُ امُّكُم - يَعنِي الأَرضَ - بَرَكَتَها وزينَتَها ، وتُلقِي إلَيهِ كُنوزَها
هامش
( 1 ) . يقال : « فعل ذلك بعد لَأيٍ » أي بعد شدّةٍ وإبطاء ( الصحاح : ج 6 ص 2478 « لأي » ) .
( 2 ) . في المصدر : « النعف » ، والتصويب من بحار الأنوار . والنغف : دود يكون في أنوف الإبل ( النهاية : ج 5 ص 87 « نغف » ) .
( 3 ) . القعسريّ : الصلِبُ الشديد ( لسان العرب : ج 5 ص 110 « قعسر » ) .
( 4 ) . في المصدر : « يدهنون » ، والتصويب من بحار الأنوار .
( 5 ) . في المصدر : « يستأنس » ، والتصويب من بحار الأنوار .
( 6 ) . الشِصبُ : الشِّدَّةُ والجدب ( لسان العرب : ج 1 ص 495 « شصب » ) .
( 7 ) . راش يَريشُ : أي يعينُه ( النهاية : ج 2 ص 288 « ريش » ) .