قالَ حارِثَةُ : العِبَرُ - لَعَمرُو اللَّهِ - كَثيرَةٌ ، وَالاعتِبارُ بِها قَليلٌ ، وَالدَّليلُ موفٍ عَلى سُنَنِ السَّبيلِ إن لَم يَعشُ عَنهُ ناظِرٌ ، وكَما أنَّ أبصارَ الرَّمِدَةِ لا تَستَطيعُ النَّظَرَ في قُرصِ الشَّمسِ لِسُقمِها ، فَكَذلِكَ البَصائِرُ القَصيرَةُ لا تَتَعَلَّقُ بِنورِ الحِكمَةِ لِعَجزِها ، ألا ومَن كانَ كَذلِكَ فَلَستُماهُ - وأَشارَ إلَى السَّيِّدِ وَالعاقِبِ - إنَّكُما - ويَمينُ اللَّهِ - لَمَحجوجانِ بِما آتاكُمَا اللَّهُ عز وجل مِن ميراثِ الحِكمَةِ ، وَاستَودَعَكُما مِن بَقايَا الحُجَّةِ ، ثُمَّ بِما أوجَبَ لَكُما مِنَ الشَّرَفِ وَالمَنزِلَةِ فِي النّاسِ ، فَقَد جَعَلَ اللَّهُ عز وجل مَن آتاهُ سُلطاناً مُلوكاً لِلنّاسِ وأَرباباً ، وجَعَلَكُما حَكَماً وقُوّاماً عَلى مُلوكِ مِلَّتِنا ، وذادَةً « 1 » لَهُم يَفزَعونَ إلَيكُما في دينِهِم ولا تَفزَعانِ إلَيهِم ، وتَأمُرانِهِم فَيَأتَمِرونَ لَكُما ، وحَقٌّ لِكُلِّ مَلِكٍ أو مُوَطَّإِ الأَكنافِ ، أن يَتَواضَعَ للَّهِ عز وجل إذ رَفَعَهُ ، وأَن يَنصَحَ للَّهِ عز وجل في عِبادِهِ ، ولا يَدَّهِنَ « 2 » في أمرِهِ .
وذَكَرتُما مُحَمَّداً بِما حَكَمَت لَهُ الشَّهاداتُ الصّادِقَةُ ، وبَيَّنَتهُ فيهِ الأَسفارُ المُستَحفَظَةُ ، ورَأَيتُماهُ مَعَ ذلِكَ مُرسَلًا إلى قَومِهِ لا إلَى النّاسِ جَميعاً ، وأَن لَيسَ بِالخاتِمِ الحاشِرِ « 3 » ولَا الوارِثِ العاقِبِ ؛ لِأَنَّكُما زَعَمتُماهُ أبتَرَ ، ألَيسَ كَذلِكَ ؟
قالا : نَعَم .
قالَ : أرَأَيتُكُما لَو كانَ لَهُ بَقِيَّةٌ وعَقِبٌ هَل كُنتُما مُمتَرِيانِ - لِما تَجِدانِ وبِما تُكَذِّبانِ مِنَ الوَراثَةِ وَالظُّهورِ عَلَى النَّواميسِ - أنَّهُ النَّبِيُّ الخاتِمُ ، وَالمُرسَلُ إلى كافَّةِ البَشَرِ ؟
قالا : لا .
قالَ : أفَلَيسَ هذَا القيلُ لِهذِهِ الحالِ مَعَ طولِ اللَّوائِمِ وَالخَصائِمِ عِندَكُما مُستَقَرّاً ؟
هامش
( 1 ) . أذدت الرجل : أعنته على ذياد إبله ، ورجل ذائد وذوّاد ؛ أي حامي الحقيقة ( الصحاح : ج 2 ص 471 « ذود » ) .
( 2 ) . المداهنة كالمصانعة ، والادّهان مثله ( الصحاح : ج 5 ص 2116 « دهن » ) .
( 3 ) . الحاشِرُ : الذي يُحشَرُ الناس خَلفَهُ وعلى مِلّتِهِ دون مِلَّةِ غيره ( النهاية : ج 1 ص 388 « حشر » ) .