وأَفلاذَ كَبِدِها ، حَتّى تَعودَ كَهَيئَتِها عَلى عَهدِ آدَمَ عليه السلام ، وتَرفَعُ عَنهُمُ المَسكَنَةَ وَالعاهاتِ في عَهدِهِ ، وَالنَّقِماتِ الَّتي كانَت تَضرِبُ بِهَا الأُمَمَ مِن قَبلُ ، وتُلقى فِي البِلادِ الأَمَنَةُ ، وتُنزَعُ حُمَةُ « 1 » كُلِّ ذاتِ حُمَةٍ ، ومِخلَبُ كُلِّ ذي مِخلَبٍ ، ونابُ كُلِّ ذي نابٍ ، حَتّى أنَّ الجُوَيرِيَةَ اللُّكاعَ « 2 » لَتَلعَبُ بِالأُفعُوانِ « 3 » فَلا يَضُرُّها شَيئاً ، وحَتّى يَكونَ الأَسَدُ فِي الباقِرِ « 4 » كَأَنَّهُ راعيها ، وَالذِّئبُ فِي البُهَمِ كَأَنَّهُ رَبُّها ، ويُظهِرُ اللَّهُ عَبدَهُ عَلَى الدّينِ كُلِّهِ فَيَملِكُ مَقاليدَ الأَقاليمِ إلى بَيضاءِ الصّينِ ، حَتّى لا يَكونَ عَلى عَهدِهِ فِي الأَرضِ أجمَعِها إلّادينُ اللَّهِ الحَقُّ الَّذِي ارتَضاهُ لِعِبادِهِ ، وبَعَثَ بِهِ آدَمَ بَديعَ فِطرَتِهِ ، وأَحمَدَ خاتَمِ رِسالَتِهِ ، ومَن بَينَهُما مِن أنبِيائِهِ ورُسُلِهِ .
فَلَمّا أتَى العاقِبُ عَلَى اقتِصاصِهِ « 5 » هذا ، أقبَلَ عَلَيهِ حارِثَةُ مُجيباً ، فَقالَ : أشهَدُ بِاللَّهِ البَديعِ - يا أيُّهَا النَّبيهُ الخَطيرُ وَالعَليمُ الأَثيرُ ! - لَقَدِ ابتَسَمَ الحَقُّ بِقَلبِكَ ، وأَشرَقَ الجَنانُ « 6 » بِعَدلِ مَنطِقِكَ ، وتَنَزَّلَت كُتُبُ اللَّهِ الَّتي جَعَلَها نوراً في بِلادِهِ وشاهِدَةً عَلى عِبادِهِ بِمَا اقتَصَصتَ مِن سُطورِها حَقّاً ، فَلَم يُخالِف طِرسٌ « 7 » مِنها طِرساً ، ولا رَسمٌ مِن آياتِها رَسماً ، فَما بَعدَ هذا ؟ !
قالَ العاقِبُ : فَإِنَّكَ زَعَمتَ زَعمَةَ أخا قُرَيشٍ ، فَكُنتَ بِما تَأثِرُ مِن هذا حَقَّ غالِطٍ .
هامش
( 1 ) . حُمَّةُ : سُمُّ كلِّ شيء يلدغ أو يلسع ( المصباح المنير : ص 154 « حمم » ) .
( 2 ) . الجويريّة : تصغير الجارية . واللكع يطلق على الصغير ؛ أي جارية صغيرة ( راجع : النهاية : ج 4 ص 268 « لكع » ) .
( 3 ) . الافعُوان - بالضمّ - : ذَكَر الأفاعي ( النهاية : ج 1 ص 55 « أفع » ) .
( 4 ) . الباقِرُ : جماعة البَقَرِ مع رُعاتِها ( لسان العرب : ج 4 ص 73 « بقر » ) .
( 5 ) . اقتصصت الحديث : رويته على وجهه ، وقد قصّ عليه الخبر قصصاً ( الصحاح : ج 3 ص 1051 « قصص » ) .
( 6 ) . في بحار الأنوار : « الجناب » بدل « الجنان » .
( 7 ) . الطِرسُ : الصحيفة ( المصباح المنير : ص 371 « طرس » ) .