جاءَ بِهِ كَمَثلِ الرَّأسِ لِلجَسَدِ ، فَما حالُ جَسَدٍ لا رَأسَ لَهُ ؟ ! فَأَمهِل رُوَيداً نَتَجَسَّسُ الأَخبارَ ونَعتَبِرُ الآثارَ ، وَلنَستَشِفَّ ما ألفَينا مِمّا افضِيَ إلَينا ، فَإِن آنَسنَا الآيَةَ الجامِعَةَ الخاتِمَةَ لَدَيهِ ، فَنَحنُ إلَيهِ أسرَعُ ولَهُ أطوَعُ ، وإلّا فَاعلَم ما تَذكُرُ « 1 » بِهِ النُّبُوَّةَ وَالسِّفارَةَ عَنِ الرَّبِّ الَّذي لا تَفاوُتَ في أمرِهِ ولا تُغايَرَ في حُكمِهِ .
قالَ لَهُ حارِثَةُ : قَد نادَيتَ فَأَسمَعتَ ، وقَرَعتَ « 2 » فَصَدَعتَ ، وسَمِعتَ وأَطَعتَ ، فَما هذِهِ الآيَةُ الَّتي أوحَشَ بَعدَ الأُنسَةِ فَقدُها ، وأَعقَبَ الشَّكَّ بَعدَ البَيِّنَةِ عُدمُها ؟ !
وقالَ لَهُ العاقِبُ : قَد أثلَجَكَ أبو قُرَّةَ بِها ، فَذَهَبتَ عَنها في غَيرِ مَذهَبٍ ، وحاوَرتَنا فَأَطَلتَ في غيرِ ما طائِلٍ حِوارَنا « 3 » .
قالَ حارِثَةُ : إلى ذلِكَ فَجَلِّهَا الآنَ لي فِداكَ أبي وامّي .
قالَ العاقِبُ : أفلَحَ مَن سَلَّمَ لِلحَقِّ وصَدَعَ بِهِ ولَم يَرغَب عَنهُ ، وقَد أحاطَ بِهِ عِلماً ، فَقَد عَلِمنا وعَلِمتَ مِن أنباءِ الكُتُبِ المُستَودَعَةِ عِلمَ القُرونِ ، وما كانَ وما يَكونُ ، فَإِنَّهَا استَهَلَّت بِلِسانِ كُلِّ امَّةٍ مِنهُم ، مُعرِبَةً مُبَشِّرَةً ومُنذِرَةً بِأَحمَدَ النَّبِيِّ العاقِبِ ، الَّذي تُطَبِّقُ امَّتُهُ المَشارِقَ وَالمَغارِبَ ، يَملِكُ - وشيعَتُهُ مِن بَعدِهِ - مُلكاً مُؤَجَّلًا يَستَأثِرُ مُقتَبَلُهُم مُلكاً عَلَى الأَحَمِّ « 4 » مِنهُم بِذلِكَ النَّبِيِّ وتَباعَةَ وبَيتاً « 5 » .
ويوسِع مِن بَعدِهِم امَّتُهُم عُدواناً وهَضماً ، فَيَملِكونَ بِذلِكَ سَبتاً « 6 » طَويلًا ، حَتّى
هامش
( 1 ) . في المصدر : « نذكر » ، والتصويب من بحار الأنوار .
( 2 ) . في المصدر : « وفزعت » ، والتصويب من بحار الأنوار .
( 3 ) . في المصدر : « وجاورتها . . . وحاورتنا » بدل « وحاورتنا . . . حوارنا » ، والتصويب من بحار الأنوار .
( 4 ) . الحَميم : القريب ، والجمع أحِمّاء ( لسان العرب : ج 12 ص 152 « حمم » ) .
( 5 ) . في المصدر : « وتباعة وسيماً » ، والتصويب من بحار الأنوار ؛ أي على من كان أقرب منهم من جهة المتابعة . والبيت : النسب .
( 6 ) . السَّبت : الدهر ( الصحاح : ج 1 ص 250 « سبت » ) .