بَدَنُهُ ، وقَوِيَ أديمُهُ عَلى مُباشَرَةِ الهَواءِ ، وبَصَرُهُ عَلى مُلاقاةِ الضِّياءِ ، هاجَ الطَّلقُ بِامِّهِ فَأَزعَجَهُ أشَدَّ إزعاجٍ وأعنَفَهُ حَتّى يولَدَ ، وإذا وُلِدَ صُرِفَ ذلِكَ الدَّمُ الَّذي كانَ يَغذوهُ مِن دَمِ امِّهِ إلى ثَديَيها ، فَانقَلَبَ الطَّعمُ وَاللَّونُ إلى ضَربٍ آخَرَ مِنَ الغِذاءِ ، وهُوَ أشَدُّ مُوافَقَةً لِلمَولودِ مِنَ الدَّمِ ، فَيُوافيهِ في وَقتِ حاجَتِهِ إلَيهِ ، فَحينَ يولَدُ قَد تَلَمَّظَ وحَرَّكَ شَفَتَيهِ طَلَباً لِلرَّضاعِ ، فَهُوَ يَجِدُ ثَديَي امِّهِ كَالإِداوَتَينِ « 1 » المُعَلَّقَتَينِ لِحاجَتِهِ إلَيهِ ، فَلا يَزالُ يَغتَذي بِاللَّبَنِ مادامَ رَطبَ البَدَنِ ، رَقيقَ الأَمعاءِ ، لَيِّنَ الأَعضاءِ . « 2 »
5964 . بحارالأنوار عن المفضّل بن عمر : فَقُلتُ [ أي لِلإِمامِ الصّادِقِ عليه السلام ] : صِف نُشوءَ الأَبدانِ ونُمُوَّها حالًا بَعدَ حالٍ حَتّى تَبلُغَ التَّمامَ وَالكَمالَ .
فَقالَ عليه السلام : أوَّلُ ذلِكَ تَصويرُ الجَنينِ فِي الرَّحِمِ حَيثُ لا تَراهُ عَينٌ ولا تَنالُهُ يَدٌ ، ويُدَبِّرُهُ حَتّى يَخرُجَ سَوِيّاً مُستَوفِياً جَميعُ ما فيهِ قِوامُهُ وصَلاحُهُ مِنَ الأَحشاءِ وَالجَوارِحِ وَالعَوامِلِ إلى ما في تَركيبِ أعضائِهِ مِنَ العِظامِ وَاللَّحمِ وَالشَّحمِ وَالمُخِّ وَالعَصَبِ وَالعُروقِ وَالغَضاريفِ ، فَإِذا خَرَجَ إلَى العالَمِ تَراهُ كَيفَ يَنمي بِجَميعِ أعضائِهِ ، وهُوَ ثابِتٌ عَلى شِكلِهِ وهَيئتِهِ لا تَتَزايَدُ ولا تَنقُصُ ، إلى أن يَبلُغَ أشُدَّهُ إن مُدَّ في عُمُرِهِ أو يَستَوفِيَ عُمُرَهُ أو يَستَوفِيَ مُدَّتَهُ قَبلَ ذلِكَ ، هَل هذا إلّامِن لَطيفِ التَّدبيرِ وَالحِكمَةِ ؟ « 3 »
هامش
( 1 ) . الإداوَةُ : إناء صغير من جلد يتّخذ للماء ( النهاية : ج 1 ص 33 « أدا » ) .
( 2 ) . بحارالأنوار : ج 60 ص 377 ح 98 نقلًا عن توحيد المفضّل .
( 3 ) . بحار الأنوار : ج 61 ص 321 ح 30 نقلًا عن توحيد المفضّل .