ولا شكّ في أنّ الإمام عليه السّلام لا يريد بهذا الكلام أنّه لولا شهادة الإمام الحسين عليه السّلام لكانت حكومة بني سفيان شرعيّة ، أو أنّ انتقالها إلى بني مروان كان شرعيّاً ، بل يعني أنّه في ظلّ الجوّ السياسيّ الاجتماعيّ الذي كان معاوية قد أوجده ، كان بالإمكان بشكل طبيعيّ أن يستمرّ الحكم في أسرة أبي سفيان لأجيالٍ عديدة ، إلّاأنّ الجريمة التي ارتكبها يزيد أزالت هذه الأرضيّة .
وبتعبير آخر فإنّ نسبة استمرار حكم بني سفيان أو عدم استمراره وانتقاله إلى بني مروان ، إلى اللَّه تعالى في الحديث المذكور هي من باب التوحيد في الأفعال ، حيث لا تتحقّق أيّ ظاهرة في العالم من دون مشيئته ، ولكنّه مع ذلك لا ينفي إرادة الإنسان ، ولا يدلّ على مشروعيّة الظاهرة .
وقد جاء في رواية أخرى عن الإمام الصادق عليه السّلام :
لَمّا وَلِيَ عَبدُ المَلِكِ بنُ مَروانَ الخِلافَةَ ، كَتَبَ إلَى الحَجّاجِ بنِ يوسُفَ : بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ ، مِن عَبدِ المَلِكِ بنِ مَروانَ أميرِ المُؤمِنينَ إلَى الحَجّاجِ بنِ يُوسفَ .
أمّا بَعدُ ، فَانظُر دِماءَ بَني عَبدِ المُطَّلِبِ فَاحتَقِنها واجتَنبِها ؛ فَإِنّي رَأَيتُ آلَ أبي سُفيانَ لَمّا وَلَغوا فيها لَم يَلبَثوا إلّاقَليلًا ، وَالسَّلامُ . « 1 »
كما ذكر ابن عبد ربّه في العقد الفريد :
كتب [ عبد الملك بن مروان ] إلى الحجّاج بن يوسف : « جنّبني دماء بني عبد المطّلب ، فليس فيها شفاء من الحرب ، « 2 » وإنّي رأيت بني حرب سُلبوا ملكهم لمّا قتلوا الحسين بن عليّ » . فلم يتعرّض الحجّاج لأحد من الطالبيين في أيّامه . « 3 »
هامش
( 1 ) . كشف الغمّة : ج 2 ص 324 ، الثاقب في المناقب : ص 361 ح 300 نحوه ، بحار الأنوار : ج 46 ص 44 ح 44 .
( 2 ) . الحَرَب : الغَضَب ( راجع : النهاية : ج 1 ص 359 « حرب » ) .
( 3 ) . العقد الفريد : ج 3 ص 382 ، المحاسن والمساوئ : ص 55 ، جواهر المطالب : ج 2 ص 278 كلاهما نحوه .