فَهَلّا - لَكُمُ الوَيلاتُ - إذ كَرِهتُمونا تَرَكتُمونا ، فَتَجَهَّزتُموها وَالسَّيفُ لَم يُشهَر ، وَالجَأشُ طامِنٌ ، وَالرَّأيُ لَم يَستَحصِف ، ولكِن أسرَعتُم عَلَينا كَطَيرَةِ الدَّبا ، وتَداعَيتُم إلَيها كَتَداعِي الفَراشِ ، فَقُبحاً لَكُم ، فَإِنَّما أنتُم مِن طواغيتِ الامَّةِ ، وشُذّاذِ الأَحزابِ ، ونَبَذَةِ الكِتابِ ، ونَفَثَةِ الشَّيطانِ ، وعَصَبَةِ الآثامِ ، ومُحَرِّفِي الكِتابِ ، ومُطفِئِي السُّنَنِ ، وقَتَلَةِ أولادِ الأَنبِياءِ ، ومُبيري عِترَةِ الأَوصِياءِ ، ومُلحِقِي العُهّارِ بِالنَّسَبِ ، ومُؤذِي المُؤمِنينَ ، وصُراخِ أئِمَّةِ المُستَهزِئينَ ، الَّذينَ جَعَلُوا القُرآنَ عِضينَ ، وأنتُمُ ابنَ حَربٍ وأشياعَهُ تَعتَمِدونَ ، وإيّانا تَخذُلونَ ؟ !
أجَل وَاللَّهِ ، الخَذلُ فيكُم مَعروفٌ ، وشَجَت عَلَيهِ عُروقُكُم ، وتَوارَثَتهُ اصولُكُم وفُروعُكُم ، ونَبَتَت عَلَيهِ قُلوبُكُم ، وغُشِيَت بِهِ صُدورُكُم ، فَكُنتُم أخبَثَ شَيءٍ ، سِنخاً « 1 » لِلنّاصِبِ ، واكلَةً لِلغاصِبِ ؛ ألا لَعنَةُ اللَّهِ عَلَى النّاكِثينَ ، الَّذينَ يَنقُضونَ الأَيمانَ بَعدَ تَوكيدِها ، وقَد جَعَلتُمُ اللَّهَ عَلَيكُم كَفيلًا ؛ فَأَنتُم - وَاللَّهِ - هُم .
ألا إنَّ الدَّعِيَّ ابنَ الدَّعِيِّ قَد رَكَزَ بَينَ اثنَتَينِ ، بَينَ القَتلَةِ وَالذِّلَّةِ ، وهَيهاتَ مِنّا أخذُ الدَّنِيَّةِ ، أبَى اللَّهُ ذلِكَ ورَسولُهُ ، وجُدودٌ طابَت ، وحُجورٌ طَهُرَت ، وانوفٌ حَمِيَّةٌ ، ونُفوسٌ أبِيَّةٌ ، لا تُؤثِرُ طاعَةَ اللِّئامِ عَلى مَصارِعِ الكِرامِ .
ألا إنّي قَد أعذَرتُ وأنذَرتُ ، ألا إنّي زاحِفٌ بِهذِهِ الاسرَةِ عَلى قِلَّةِ العَتادِ ، وخَذَلَةِ الأَصحابِ . ثُمَّ أنشَدَ :
فَإِن نَهزِم فَهَزّامونَ قِدماً * وإن نُهزَم فَغَيرُ مُهَزَّمينا
وما إن طِبُّنا جُبنٌ ولكِن * مَنايانا ودَولَةُ آخَرينا
أما إنَّهُ لا تَلبَثونَ بَعدَها إلّاكَرَيثِ ما يُركَبُ الفَرَسُ ، حَتّى تَدورَ بِكُم دَورَ الرَّحى ،
هامش
( 1 ) . السِّنْخ - بالكسر - من كلّ شيء : أصله ، والجمع أسناخ مثل حمل أحمال ( مجمع البحرين : ج 2 ص 435 « سنخ » ) .