يبقى فيها لا يموتون فيها ولا يحيون ، وكلّ من ألِف موطنه كان به مسروراً ، وأشدّ العذاب مفارقة الوطن ، ولو فارق النار أهلها لتعذّبوا باغترابهم عمّا اهّلوا له ، وأنّ اللَّه قد خلقهم على نشأة تألف ذلك الوطن ، فعمرت الداران ، وسبقت الرحمة الغضب .
وقد وجدنا في نفوسنا ممّن جبلهم اللَّه على الرحمة أنّهم يرحمون جميع عباد اللَّه حتّى لو حكّمهم اللَّه في خلقه لأزالوا صفة العذاب من العالم بما تمكّن حكم الرحمة من قلوبهم ، وصاحب هذه الصفة أنا وأمثالي ونحن مخلوقون أصحاب أهواء وأغراض ، وقد قال عن نفسه جلّ علاه أنّه أرحم الراحمين ، فلا يشكّ أنّه أرحم منّا بخلقه ، ونحن عرفنا من نفوسنا هذه المبالغة في الرحمة ، فكيف يتسرمد العذاب عليهم وهو بهذه الصفة العامّة ؟
إنّ اللَّه أكرم من ذلك ولاسيّما وقد قام الدليل العقليّ على أنّ الباري لا تنفعه الطاعات ولا تضرّه المخالفات ، وأنّ كلّ شيء جارٍ بقضائه وقدره وحكمه ، وأنّ الخلق مجبورون في اختيارهم ، وقد قام الدليل السمعيّ أنّ اللَّه يقول في الصحيح : « يا عبادي » فأضافهم إلى نفسه ، وما أضاف قطّ العباد إلى نفسه إلّامَن سبقت له الرحمة ، والآن يؤبّد « 1 » عليهم الشقاء ؟ [ وإن دخلوا النار ] فقال : « يا عبادي ، لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم اجتمع على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً » . فقد أخبر بما دلّ عليه العقل أنّ الطاعات والمعاصي ملكه ، وأنّه على ما هو عليه لايتغيّر ولا يزيد ولا ينقص ملكه ممّا طرأ عليه وفيه ، فإنّ الكلّ مُلكه ومِلكه .
ثمّ قال : من تمام هذا الخبر الصحيح : ( يا عبادي ، لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كلّ واحد منكم مسألته ، ما نقص في ملكي شيئاً » الحديث . وما نشكّ أنّه ما من أحد إلّاوهو يكره ما يؤلمه طبعاً ، فما من أحد إلّاوقد سأله أن لا يؤلمه وأن يعطيه اللذّة في الأشياء .
ولا يقدح ما أومأنا إليه في الحديث إذا تعلّق به المنازع في هذه المسألة إدخال ( لو ) في ذلك ، فإنّ السؤال من العالم في ذلك قد علم وقوعه بالضرورة من كلّ مخلوق ، فإنّ الطبع يقتضيه ، والسؤال قد يكون حينئذٍ قولًا وحالًا كبكاء الصغير الرضيع وإن لم يعقل عند وجود الألم الحسّيّ بالألم والوجع النفسيّ لمخالفة الغرض إذا منع من
هامش
( 1 ) . في المصدر : « أن لا يؤبّد عليهم الشقاء » .