وممّن صرّح بذلك الشيخ محي الدين بن العربيّ في مواضع من مؤلّفاته ، فقال في الفصّ اليونسيّ من فصوص الحكم - على ما نقله عنه الفيلسوف صدر الدين الشيرازيّ في أسفاره وتفسيره وغيره - ما لفظه :
وأمّا أهل النار فمآلهم إلى النعيم ، ولكن في النار ؛ إذ لابدّ لصورة النار بعد انتهاء مدّة العذاب أن تكون برداً وسلاماً على من فيها ، وهذه صفتهم « 1 » ، فنعيم أهل النار بعد استيفاء الحقوق نعيم خليل اللَّه عليه السلام حين القي في النار . « 2 » وقال في الفصّ الإسماعيليّ :
الثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد ، والحضرة الإلهيّة تطلب الثناء المحمود بالذات ، فيثنى عليها بصدق الوعد لا بصدق الوعيد ، بل بالتجاوز ،
« فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ »
، ولم يقل وعيده ، بل قال :
« وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ »
« 3 » ، مع أنّه توعّد على ذلك . « 4 » وقال في الباب الثامن والخمسين :
وأمّا كتاب الفجّار لفي سجّين ، وفيه أصول السدرة التي فيها شجرة الزقّوم ، فهناك [ تنتهي ] أعمال الفجّار في أسفل السافلين ، فإن رحمهم الرحمان من عرش الرحمانيّة بالنظرة التي ذكرناها جعل لهم نعيماً في منزلهم ، فلا يموتون فيها ولا يحيون ، فهم في نعيم النار دائمون ، كنعيم النائم بالرؤيا التي يراها في حال نومه من السرور ، وربّما يكون في فراشه مريضاً ذا بؤس وفقر ، ويرى نفسه في المنام ذا سلطان ونعمة وملك ، فإن نظرت إلى النائم من حيث ما يراه في منامه ويلتذّ به قلت : إنّه في نعيم [ وصدقت ] ، وإن نظرت إليه من حيث ما تراه في فراشه الخشن ومرضه وبؤسه وفقره وكلومه « 5 » قلت : إنّه في عذاب .
هامش
( 1 ) . في المصدر : « وهذا نعيمهم » .
( 2 ) . شرح القيصري على فصوص الحكم ، ص 385 - 386 .
( 3 ) . الأحقاف ( 46 ) : 16 .
( 4 ) . شرح القيصري على فصوص الحكم ، ص 211 .
( 5 ) . الكلوم : جمع الكلْم بمعنى الجرح .