الأوّل : أنّه سبحانه هو الخالق للدواعي التي توجب المعاصي ، وذلك لحكمة النظام ومصلحة الخلائق ، لما مرّ من أنّ الناس كلّهم لو كانوا صلحاء مؤمنين خائفين من عقاب اللَّه لاختلّ نظام الدنيا وبطلت أسباب المعيشة .
ولما بيّنّا أنّ صدور الفعل عن قدرة العبد يتوقّف على انضمام الداعي من العلم والإرادة وغيرهما ، وبعد انضمام الداعي يجب صدور الفعل ، وحصول الداعي ليس بقدرته وإلّا لكان للداعي داعٍ آخر ، ويعود الكلام جزماً « 1 » فيتسلسل ، وهو محال ، أو ينتهي إلى داع حصل بخلق اللَّه لا بقدرة العبد .
فإذاً كان اللَّه هو الخالق للدواعي الشيطانيّة التي توجب المعاصي ، فيكون هو المُلجئ إليها فيقبح منه أن يعاقب عليها .
وربّما قرّروا هذا بوجه آخر وقالوا : إذا كانت التكاليف الشرعيّة قد جاءت إلى شخصين فقبلها أحدهما فأثيب ، وخالفها آخر فعوقب ، فإذا سُئل لم أطاع هذا ولم عصى الآخر ؟
فيجاب : لأنّ المطيع أحبّ الثواب وحذر العقاب ، والعاصي لم يحبّ ولم يحذر ، أو لأنّ هذا أصغى إلى مَن وعظه وفهم عنه مقالته فأطاع ، وهذا لم يصغ ولم يفهم فعصى .
فيقال : ولم أحبّ الخير هذا وأصغى وفهم ، ولم يكن الآخر كذلك ؟
فيجاب : لأنّ هذاحازم لبيب فطن ، وذلك أخرق جاهل غبيّ .
فيقال : ولم خصّ هذا بالعقل والفطنة دون ذاك ، ولا شكّ أنّ الفطنة والبلادة من الأحوال الغريزيّة ، فإذا تناهت التعليلات إلى أمور خلقها اللَّه اضطراراً فعلم أنّ السبب للإطاعة والعصيان والتوفيق والحرمان من الأشخاص أمور واقعة عليها بقضاء اللَّه وتقديره .
وعند هذا يقال : أين من العدل والرحمة أن يخلق في عبد من الفظاظة والقساوة والغباوة والطيش والخرق ما يوجب عنه صدور العصيان ، ثمّ يعاقب عليه ، وهذه ممّا هو مجبول عليها كما جبل على أضدادها الطائع ؟
وأين من العدل أن يسخّن قلب العاصي ويقوّي غضبه ويلهب دماغه ويكثر طيشه
هامش
( 1 ) . في المصدر : جزعاً .