لأنّها لا تصحّ منهم في حال الشرك ؛ لاشتراطها بالقربة الممتنعة منهم ، وإنّما طلبها منهم بعد إسلامهم . فأمّا قوله عليه السلام : « إنّما دعى اللَّه العباد للإيمان به ، فإذا آمنوا به افترض عليهم الفرض » فيمكن حمله على المعنى المتقدّم في سابقه ، أي أنّ التكاليف وقعت على التدريج ولم تقع دفعة واحدة .
وأمّا ما روي عن الباقر عليه السلام فلا يخفى ما فيه من الإجمال ، وغاية ما يمكن توجيهه من جانب الخصم بأنّه لا يمكن أن يكون الأمر بقوله تعالى :
« أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ »
« 1 » ، والخطاب والأمر في قوله تعالى :
« فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ »
« 2 » الآية ، أن يكون عامّاً للكفّار والمسلمين ؛ لأنّ الخطاب في قوله تعالى :
« أطيعوا » للذين آمنوا كما في صدر الآية ، والخطاب في قوله :
« فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ »
للذين آمنوا أيضاً ، مع أنّ الإمام قد فسّر الآية بأنّ المأمورين بالردّ مع المنازعة إنّما هم المأمورون بالطاعة لا غيرهم ، وهم الذين آمنوا فلا يكون عامّاً ، وفيه ما لا يخفى من التكلّف ، وغاية ما فيه حينئذٍ أنّ هذه الآية لا تعمّ الكفّار والمسلمين ، وذلك لا ينافي كون الكفّار مخاطبين بذلك من دليل خارجيّ .
ويمكن أن يكون الحصر في قوله عليه السلام : « إنّما قال ذلك للمأمورين » حصرٌ إضافيّ بالنسبة إلى منازعة الأئمّة ، يعني أنّ الخطاب في قوله : « فإن تنازعتم » خاصّ بما عدا الأئمّة عليهم السلام من الذين يجب عليهم إطاعة الأئمّة ، لا أنّه عامّ للأئمّة حتّى يكون المعنى :
أنّه إذا وقع النزاع بين الأئمّة وبين غيرهم يجب عليهم الردّ إلى اللَّه ورسوله .
وبالجملة ، فهذه الأخبار المتشابهة لا تصلح حجّة في هذا المطلب في مخالفة الآيات المتظافرة والروايات المتواترة .
وممّا يقطع على مقالتهم بالبطلان أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله كان يدعو الكفّار إلى هذا الدين وهو مركّب من كلمتين ، الشهادة وسائر ما يتعبّدُ اللَّه به عباده من صلاة وزكاة وحجّ وجهاد وتحريم سحر ورياء وغيرهما من المحرّمات .
هامش
( 1 ) . النساء ( 4 ) : 59 .
( 2 ) . النساء ( 4 ) : 59 .