تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
ثمّ إنّه يرد على أرباب هذه الشبهة أنّهم أوجبوا بما ذكروه اعتقاد عدم التكليف ، فهذا تكليف بعدم التكليف وأنّه متناقض .

تبصرة : [ سبب العقاب في الآخرة ]

ربّما يختلج في الخواطر الفاترة والعقول القاصرة أنّ اللَّه تعالى إذا كان منزّهاً عن لذّة الانتقام ، ومستغنياً عن طاعة العبيد ، فما السبب في التعذيب والإيلام والعقاب في الآخرة ؟ بل أيّ غرض في التكليف ؟ وهذا في الحقيقة نكوص إلى الشبهة الثالثة . والجواب : أنّ المعاصي والسيّئات أمراض مهلكات ، والطاعات أدوية منجيات ، واللَّه تعالى بمنزلة الطبيب ، والإنسان المسكين بمنزلة المريض ، فكما أنّ الحُمية واستعمال الدواء بأمر الطبيب يرجع نفعه إلى المريض ، فكذا فعل الطاعات يرجع نفعها إلى الإنسان ، والمريض إذا خالف أمر الطبيب باستعمال ما يضرّه وترك ما ينفعه فأهلك نفسه لم يكن هلاكه من الطبيب ، بل ولا لأجل عين المخالفة ، بل لأنّه سلك غير طريق الصحّة التي قرّرها له الطبيب ، فكذا الإنسان المسكين كما قال تعالى :
« قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها »
، « 1 » وقال تعالى :
« فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها »
« 2 » . والعقاب على ترك الأوامر وارتكاب الخطايا ليس من اللَّه غضباً وانتقاماً على نحو غضبنا وانتقامنا ، بل لاقتضاء حكمته الباهرة التي تعجز عنها العقول القاصرة وترتّب الأسباب على المسبّبات ، فخلق تعالى نفس الإنسان على وجه تنجيها وتكملها الفضائل ، وتهلكها وتشقيها الرذائل ، وهو تعالى غير عاجز عن الإشباع من غير أكل ، والإرواء من غير شرب ، وإنشاء الولد من غير مضاجعة ووقاع ، ولكنّه تعالى قد رتّب الأسباب والمسبّبات لحكمة خفيّة لا يعلمها إلّااللَّه والراسخون في العلم ، وسيأتي لهذا مزيد توضيح عن قريب إن شاء اللَّه تعالى . « 3 »
هامش
( 1 ) . الشمس ( 91 ) : 9 و 10 . ( 2 ) . يونس ( 10 ) : 108 . ( 3 ) . راجع شرح الحديث الرابع والثلاثين .