الشبهة الثانية : أنّ المكلّف به إن علم اللَّه في الأزل وقوعه فخلاف معلومه محال ، فلا فائدة في ورود الأمر به ، وإن علم لا وقوعه فالتكليف به تكليف بالمحال ، وكلاهما عبث وسفه ، واللَّه تعالى منزّه عنهما ، وإن لم يعلم هذا ولا ذاك فهو قول بالجهل في حقّه تعالى ، وهو باطل .
والجواب عن هاتين الشبهتين يعلم ممّا تقدّم في الجبر والاختيار ، وأنّ علم اللَّه ليس بعلّة لفعل المكلّف ، وأنّ الإنسان فاعل مختار ، والترجيح بلا مرجّح إنّما هو وجود الممكن بدون فاعل ، وليس الأمر هنا كذلك .
الشبهة الثالثة : أنّ ورود الأمر بالتكاليف إمّا لفائدة أو لا لفائدة :
فإن كان الأوّل فهي إمّا عائدة إلى المعبود أو إلى العابد ؛ والأوّل محال ؛ لأنّه كامل الذات بذاته لا بغيره .
وإن كان الثاني فهي إمّا عاجلة أو آجلة ؛ والأوّل باطل ؛ لأنّ التكاليف كلّها مشاقّ وآلام في الدنيا ، والثاني عبث ؛ لأنّ جميع الفوائد محصورة في رفع الألم وحصول اللذّة ، واللَّه تعالى قادر على تحصيلهما للعبد ابتداءاً من غير توسّط العبادة والمشقّة ، فيكون توسّط التكاليف عبثاً ، وهو ممتنع على الحكيم ، وكذلك الشقّ الثاني .
والجواب : أنَّ المنفعة راجعة إلى العابد ، واللَّه تعالى وإن كان قادراً على تحصيلها للمكلّف بلا واسطة التكليف ، ولكن اقتضت حكمته الباهرة أن يقرن المسبّبات بأسبابها كما تقدّم تحقيقه .
الشبهة الرابعة : أنّ العبد غير موجد لأفعاله ؛ لما تقرَّر أنّ المؤثّر في الوجود هو اللَّه ، ولأنّ العبد غير عالم بتفصيل ما يفعله ، ومن لا يعلم شيئاً بتفاصيله لا يكون موجداً له ، فالأمر له بذلك تكليف بالممتنع ، وهو محال .
والجواب : ما تقدّم في مسألة الجبر والاختيار من كون العبد في فعله مختاراً ، وأنّ أفعال العباد هم الذين أوجدوها ، ولم يوجدها فيهم الحكيم الغفّار .
الشبهة الخامسة : أنّ المقصود من التكليف إنّما هو تطهير القلب على ما دلّت عليه ظواهر الكتاب والسنّة ، فلو قدّرنا إنساناً استغرق أوقاته في إشغال قلبه باللَّه تعالى بعد تطهيره من الرذائل ، وتحليته بالفضائل ، بحيث لو اشتغل بهذه التكاليف الظاهرة
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار — صفحة 266
مساهمون: السيد عبد الله شبر
ص٢٦٦