لصار ذلك عائقاً له عن الاستغراق في معرفة اللَّه تعالى ، وجب أن تسقط عنه هذه التكاليف الظاهرة .
والجواب : أنّ المقصود من التكليف وإن كان تطهير القلب وجلاؤه ، إلّاأنّ الإنسان لا سبيل له إلى ذلك إلّابالأخذ من الحكيم الخبير العليم بحقايق الأشياء ، القادر على ما يشاء ، والإنسان المسكين العاجز الضعيف ربّما أراد أن يصلح شيئاً فأفسده كما يتّفق له في كثير من أفعاله وأعماله ، وكما هو المشاهد بالنسبة إلى من أراد الدخول في صناعة أو عمل وهو جاهل بها ورام الإصلاح ، صار ما يفسده أكثر ممّا يصلحه .
وقد دلّنا الشارع الحكيم على أنّه لا سبيل إلى تطهير القلب وتحليته بالفضائل ، وتخليته من الرذائل ، إلّابالمواظبة والمداومة على الأعمال الصالحة الظاهرة ، مع أنّه لم يبلغ أحد المرتبة القصوى والغاية العظمى في ذلك مثل ما بلغ نبيّنا سيّد النبيّين ورئيس العارفين ، وقد كان أكثر الناس عبادة لربّه وأشدّهم مواظبة .
وبالجملة ، فكلّ أحد نفسه مغمورة في أوّل الكون في أعمق بحر الطبائع ، والجةٌ « 1 » في غياهب ظلمات الدنيا ، مغشاة بأغشية الحجب الجسمانيّة ، ملطّخة بالأخباث النفسانيّة من الشهوة والغضب والأكل والشرب والجماع والنوم والهمّ والغمّ وما جرى مجراها من خطرات الوهم وهواجس النفس وغير ذلك إلّامن عصمه اللَّه تعالى .
وليس اشتغال القلب باللَّه والتشوّق إليه ممّا يمكن حصوله إلّاعقيب العبادات ، وبعد إطالة النظر في تحصيل المعارف الإلهيّة ، لا كما زعمه هؤلاء الملاحدة من الصوفيّة من الإعراض عن الشريعة الصادرة عن الحضرة الإلهيّة ، بواسطة الحضرة النبويّة ، ردّاً على اللَّه ورسوله صلى الله عليه وآله وحكماً بغير ما أنزل اللَّه ،
« وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ »
« 2 » ، وترجيحاً لمتابعة الشيطان وإطاعته على متابعة الرحمان وإطاعته ، وعناداً للَّهورسوله ، واللَّه ينادي في محكم كتابه بلفظ يفهمه الجاهل والعالم :
« وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ »
« 3 » .
هامش
( 1 ) . من ألجّ في الأمر ، إذا تمادى ولجّ فيه . انظر : المصباح المنير ، ص 549 ( لجج ) .
( 2 ) . المائدة ( 5 ) : 44 .
( 3 ) . الذاريات ( 51 ) : 56 .