منها ، نافعة للسفليّات ، محصّلة لامتزاج المركّبات التي يتوقّف عليها صور الأنواع ونفوسها ، وحياة الكائنات ونموّ الحيوان والثبات .
فإذا تحقّق ما ذكرنا من وحدة العالم لوحدة النظام واتّصال التدبير دلّ ( على أنّ المدبّر واحد ) دبّره على أحسن النظام وأتمّ القوام ؛ إمّا لأنّ التلازم والتناسب بين الشيئين لا يتحقّق إلّابعلّيّة أحدهما للآخر ، أو بمعلوليّتهما لعلّة واحدة موجبة لهما ، فلو تعدّد المدبّر اختلّ الأمر وفسد النظام كما أشير إليه بقوله تعالى :
« لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا »
« 1 » .
وإمّا لأنّ التدبير الواحد لا يجوز استناده إلّاإلى مدبّر واحد ، لامتناع اجتماع علّتين مستقلّتين على معلول واحد شخصيّ .
وإمّا لأنّ المدبّر الواحد كاف لصدور التدبير الجمليّ ، وإذا لاحظنا معه أنّ المشاركة نقص لا يليق بالواجب بالذات ولاحظنا لزوم التعطيل علمنا أنّه لا مدبّر غيره .
فإن قيل : إنّ هذه الوجوه إنّما تنفي وجود مدبّرين متّفقين مستقلّين في صدور الكلّ وصدور كلّ واحد واحد ، ووجود مدبّرين يستقلّ أحدهما كذلك ويستقلّ الآخر في البعض ، لا وجود مدبّرين غير متّفقين ، بأن يستقلّ أحدهما في بعض والآخر في بعض آخر بحيث يحصل من المجموع هذا النظام والتدبير .
قيل : كلّ واحد إذا لم يستقلّ في الكلّ ، فإن استقلَّ مجموعهما فيه لزم أن يكون المجموع هو المدبّر ، وهذا - مع كونه باطلًا ؛ لاستحالة التركيب في الواجب - رافع للاثنينيّة ، وإن استقلّ أحدهما في بعض ؛ والآخر في بعض آخر لزم النقص المحال على الواجب بالذات ، وارتفاع التلازم والائتلاف بين البعضين ، وإلّا لزم عدم استقلال كلّ واحد في البعض أيضاً ، وهذا خلف .
ثمّ استدلّ عليه السلام على نفي الاثنينيّة بدليل آخر أشار إليه بقوله : ( ثمّ يلزمك إن ادّعيت اثنين فرجة ما بينهما حتّى يكونا اثنين ) ؛ إذ لا محالة لابدّ أن يكون بينهما انفصال في
هامش
( 1 ) . الأنبياء ( 21 ) : 22 .