فليست المشيّة إلينا ؛ إذ لو كانت إلينا لاحتجنا إلى مشيّة أخرى سابقة ، وتسلسل الأمر إلى غير نهاية ، ومع قطع النظر عن استحالة التسلسل نقول : جملة مشيّاتنا غير المتناهية بحيث لا يشذُّ منها مشيّة ، لا تخلو إمّا أن يكون وقوعها بسبب أمر خارج عن مشيّتنا أو بسبب مشيّتنا ؛ والثاني باطل ؛ لعدم إمكان مشيّة أخرى خارجة عن تلك الجملة ، والأوّل هو المطلوب .
فقد ظهر أنّ مشيّتنا ليست تحت قدرتنا كما قال عزّ وجلّ :
« وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ »
« 1 » ؛ فإذن نحن في مشيّتنا مضطرّون ، وإنّما تحدث المشيّة عقيب الداعي ، وهو تصوّر الشيء الملائم تصوّراً ظنّيّاً ، أو تخيّليّاً ، أو علميّاً .
فإنّنا إذا أدركنا شيئاً فإن وجدنا ملائمته أو منافرته ، لنا دفعه بالوهم أو ببديهة العقل انبعث منّا شوقاً إلى جذبه أو دفعه ، وتأكّد هذا الشوق ، وهذا هو العزم الجازم المسمّى بالإرادة ، وإذا انضمّت إلى القدرة التي هي هيئة للقوّة الفاعلة انبعثت تلك القوّة لتحريك الأعضاء الأدويّة من العضلات وغيرها ، فيحصل الفعل .
فإذن ، إذا تحقّق الداعي للفعل الذي تنبعث منه المشيّة تحقّقت المشيّة ، فإذا تحقّقت المشيّة التي تصرف القدرة إلى مقدورها انصرفت القدرة لا محالة ، ولم يكن لها سبيل إلى المخالفة ؛ فالحركة لازمة ضرورة بالقدرة ، والقدرة محرّكة ضرورة عند انجزام المشيّة ، والمشيّة تحدث ضرورة في القلب عقيب الداعي ، فهذه ضروريّات يترتّب بعضها على بعض ، وليس لنا أن ندفع وجود شيء منها عند تحقّق سابقه ، فليس يمكن لنا أن ندفع المشيّة عند تحقّق الداعي للفعل ، ولا انصراف القدرة إلى المقدور بعدها ، فنحن مضطرّون في الجميع ، فنحن في عين الاختيار مجبورون ، فنحن إذاً مجبورون على الاختيار .
قال في الوافي :
هذا ملخّص ما ذكره ، ولا يخفى ما فيه من اشتماله على مفاسد الجبر ، وأيضاً ليس في فهمه وإفهامه كثير غموض حتّى يلزم العارفين كتمانه ، وعدم الرخصة في إفشائه ، فعلم أنّ الحقّ فيه أمر آخر لا يصل إليه إلّامن هو أهله ، وذلك فضل اللَّه
هامش
( 1 ) . الدهر ( 76 ) : 30 .