تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
أحد أفاعيل الحقّ سبحانه بلا شوب قصور وتشبيه ، تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً ، كما قال تعالى :
« وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى »
« 1 » . فاخمد ضرام أوهامك أيّها الجبريّ ، فالفعل ثابت لك بمباشرتك إيّاه وقيامه بك ، وسكّن حواسك أيّها القدريّ ، فالفعل مسلوب عنك من حيث أنت أنت ؛ لأنّ وجودك إذا قُطع النظر عن ارتباطه بوجود الحقّ فهو باطل ، فكذا فعلك ؛ إذ كلّ فعل متقوّم بوجود فاعله . وانظروا جميعاً بعين الاعتبار في فعل الحواسّ كيف انمحى وانطوى في فعل النفس ، وتصوّرها في تصوّر النفس ، واتلوا جميعاً قوله تعالى :
« قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ »
« 2 » ، وتصالحا بقول الإمام بالحقّ : « لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين » ، قال اللَّه تعالى :
« وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ »
« 3 » ، أثبت المشيّة للعبد فنفى به الجبر ، وجعلها بعد مشيّة اللَّه فنفى به التفويض ، وقال :
« فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ »
« 4 » وما كسبت يداهم إلّاباللَّه لا من دون اللَّه ، فيكون وهناً في سلطانه ، ولا مع اللَّه ، فيكون شركاً باللَّه ؛ فَبِيَد العباد طاعة اللَّه ومعصية اللَّه ، إلّاأنّه لا حول عن المعصية ولا قوّة على الطاعة إلّاباللَّه ، ولا مشيّة إلّابعد مشيّة اللَّه ، والتنزيه والحسنات والمحامد ترجع إلى مقام الوحدة ، والتشبيه والسيّئات والمذامّ ترجع إلى محالّ الكثرة ؛ فسبحان من تنزّه عن الفحشاء ، وسبحان من لا يجري في ملكه إلّاما يشاء . وفي الكافي عن النبيّ صلى الله عليه وآله : « من زعم أنّ اللَّه يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على اللَّه ، ومن زعم أنّ الخير والشرّ بغير مشيّة اللَّه فقد أخرج اللَّه عن سلطانه ، ومن زعم أنّ المعاصي بغير قوّة اللَّه فقد كذب على اللَّه ، ومن كذب على اللَّه أدخله النار » . وعن الصادق عليه السلام قال : « اللَّه أكرم من أن يكلّف الناس ما لا يطيقون ، واللَّه أعزّ من أن يكون في سلطانه ما لا يريد » .
هامش
( 1 ) . الأنفال ( 8 ) : 17 . ( 2 ) . التوبة ( 9 ) : 14 . ( 3 ) . الدهر ( 76 ) : 30 . ( 4 ) . الشورى ( 42 ) : 30 .