بعض أسباب الحيرة ولهذا مال إليه فحول العلماء ، ولنذكر في بيانه ما ذكره بعض المحقّقين موافقاً لما حقّقه المحقّق الطوسيّ نصير الملّة والدين قدس سره في بعض رسائله المعمولة في ذلك ، قال :
قد ثبت أنّ ما يوجد في هذا العالم فقد قدّر بهيئته وزمانه في عالم آخر فوق هذا العالم قبل وجوده ، وقد ثبت أنّ اللَّه تعالى قادر على جميع الممكنات ، ولم يخرج شيء من الأشياء عن مصلحته وعلمه وقدرته وإيجاده بواسطة أو بغير واسطة ، وإلّا لم يصلح لمبدئيّة الكلّ ؛ فالهداية والضلالة والإيمان والكفر والخير والشرّ والنفع والضرّ وسائر المتقابلات كلّها منتهية إلى قدرته وتأثيره وعلمه وإرادته ومشيّته ؛ إمّا بالذات أو بالعرض ، فأعمالنا وأفعالنا - كسائر الموجودات وأفاعيلها - بقضائه وقدره ، وهي واجبة الصدور منّا بذلك ، ولكن بتوسّط أسباب وعلل من إدراكاتنا وإراداتنا وحركاتنا وسكناتنا وغير ذلك من الأسباب العالية الغائبة عن علمنا وتدبيرنا ، الخارجة عن قدرتنا وتأثيرنا .
فاجتماع تلك الأمور التي هي الأسباب والشرائط مع ارتفاع الموانع علّة تامّة يجب عندها وجود ذلك الأمر المدبّر والمقضيّ المقدّر ، وعند تخلّف شيء منها أوحصول مانع يبقى وجوده في حيّز الامتناع ، ويكون ممكناً وقوعيّاً بالقياس إلى كلّ واحد من الأسباب الكونيّة .
ولمّا كان من جملة الأسباب - وخصوصاً القريبة منها - إرادتنا وتفكّرنا وتخيّلنا .
وبالجملة ، ما نختار به أحد طرفي الفعل والترك فالفعل اختياريّ لنا ، فإنّ اللَّه تعالى أعطانا القوّة والقدرة والاستطاعة ليبلونا أيّنا أحسن عملًا مع إحاطة علمه ، فوجوبه لا ينافي إمكانه ، واضطراريّته لا تدافع كونه اختياريّاً ، كيف وإنّه ما وجب إلّا بالاختيار ؟ ! ولا شكّ أنّ القدرة والاختيار - كسائر الأسباب من الإدراك والعلم والإرادة والتفكّر والتخيّل وقواها وآلاتها - كلّها بفعل اللَّه تعالى لا بفعلنا واختيارنا ، وإلّا لتسلسلت القدرة والإرادة إلى غير نهاية .
وذلك لأنّا وإن كنّا بحيث إن شئنا فعلنا ، وإن لم نشأ لم نفعل لكنّا لسنا بحيث إن شئنا شئنا ، وإن لم نشأ لم نشأ ، بل إذا شئنا فلا تتعلّق مشيّتنا بمشيّتنا ، بل بغير مشيّتنا ،
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار — صفحة 208
مساهمون: السيد عبد الله شبر
ص٢٠٨