الثامن : ما ذكره المحدّث المحقّق الكاشانيّ في كتاب قرّة العيون وغيره ، وادّعى أنّه طريقة أهل المعرفة والشهود ، وهي أقرب إلى التحقيق ، وإن كانت أبعد من الأفهام ، قال :
إنّ المخلوقات مع تباينها في الذوات والصفات والأفعال ، وترتّبها في القرب والبعد من الحقّ الأوّل والذات الأحديّة ، تجمعها حقيقة واحدة إلهيّة جامعة لجميع حقائقها وطبقاتها ، لا بمعنى أنّ المركّب من المجموع شيء واحد هو الحقّ سبحانه ، حاشا الجناب الإلهيّ عن وصمة الكثرة والتركيب ، بل هو هو ، والأشياء أشياء .
بل بمعنى أنّ تلك الحقيقة الإلهيّة مع أنّها في غاية البساطة والأحديّة ينفذ نورها في أقطار السماوات والأرضين ، فما من ذرّة إلّاوهو محيط بها ، قاهر عليها ، ظاهر فيها ، كما قال إمام الموحّدين أمير المؤمنين عليه السلام : « مع كلّ شيء لا بمقارنة ، وغير كلّ شيء لا بمزايلة » .
وكذلك للصفات المخلوقات جهة واحدة إلهيّة جامعة للجميع ، فإنّ السمع والبصر وغيرهما من الصفات في أيّ موصوف كان هو للَّهسبحانه حقيقة ، ولذلك قال :
« وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ »
« 1 » ، أي لا غيره ، يعني : هو السميع بعين سمع كلّ سميع ، والبصير بعين بصر كلّ بصير ، وقال :
« هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ »
« 2 » ، أي بعين كلّ حياة .
وفي الحديث القدسيّ : « فبي يسمع وبي يبصر » . وكذلك الأفعال فإنّها منسوبات من ذلك الوجه الذي ينسب إلى الحقّ بعينه ، فكما أنّ وجود زيد بعينه أمر متحقّق في الواقع ، وهو شأن من شؤون الحقّ سبحانه وتعالى ، ولمعة من لمعاته ، ومظهر من مظاهره ، فكذلك هو فاعل لما يصدر عنه بالحقيقة لا بالمجاز ، ومع ذلك ففعله
هامش
( 1 ) . الشورى ( 42 ) : 11 .
( 2 ) . غافر ( 40 ) : 65 .