تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
فاقتضى التعظيم إسناد الأفعال كلّها إلى اللَّه ، وهذا عذر أقبح من الفعل ، إذ أيّ شركة تكون لعبد لم يكن شيئاً مذكوراً أوجده اللَّه تعالى بعد العدم تنسب قبائح الأفعال إليه دون ربّه ؟ وأيّ عقل يحكم بأنّ أفعال العبيد الذين هم بمكان من الضعف والحقارة أفعال اللَّه تعالى ؟ وكيف يكون فعل الفاعل لذاته كفعل الفاعل بغيره ؟ ولو فرض أنّ العبد يصدر منه فعل مثل فعل اللَّه لم يقتض ذلك أن يكون شريكاً له . ومن أعجب ما يحتجّون به أنّ العبد لو فعل شيئاً باختياره كان ذلك دليلًا على عجز اللَّه ، حيث يقع منه ما لا يريده من المعاصي ، وهذه سفسطة ؛ إذ أيّ عجز يلحق المالك إذا جعل عبده مختاراً في أفعاله وأعماله سواءاً فعل العبد ما يكرهه مولاه أو يحبّه ، مع قدرته على قهره وإعدامه ، فأيّ عجز يلزم من ذلك ؟ وأيّ قهر وغلبة للعبد ؟ ألا ترى أنّ السلطان العظيم ربّما أنعم على من ليس على طريقته وجعله مختاراً في أمره مع عدم دلالة ذلك على عجزه وضعفه . ومنها : أنّ الآيات الفرقانيّة والنصوص القرآنيّة على كثرتها قد تضمّنت أنّ الكفّار في يوم القيامة - الذي تنكشف به حقائق الأمور - لم يعتذروا بهذه الأعذار ، بل يعترفون بأنّ المعاصي منهم كما حكى اللَّه عنهم ، فقالوا :
« رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ »
« 1 » ، ولم يقولوا : تعمل أنت غير الذي كنت تعمل ، وقالوا وهم في النار :
« رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ »
« 2 » ، وقالوا :
« رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ »
« 3 » ،
« أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ »
« 4 » إلى غير ذلك من الآيات . ومنها : أنّ الشيطان اعترف بأنّه أضلّهم ، بقوله :
« إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ
هامش
( 1 ) . فاطر ( 35 ) : 37 . ( 2 ) . المؤمنون ( 23 ) : 107 . ( 3 ) . المؤمنون ( 23 ) : 99 و 100 . ( 4 ) . الزمر ( 39 ) : 56 .