فإنّا لو أطلقنا عنان القلم في هذا الباب لاحتجنا إلى تأليف كتاب مستقلّ كبير الحجم .
منها : أن يقال للأشاعرة - القائلين بخلق الأعمال والعبد يكتسبها منه ، فالكسب لا يوجبها ولا يوجدها وإنّما يوجدها ويوجبها اللَّه على زعمهم - : هل يقدر العبد على ترك الكسب أم لا ؟ فإن قالوا : نعم ، قالوا بالاختيار ، وحصل الوفاق ، وإن قالوا : لا ، فقد ساووا المجبّرة ، بل هُم هُم .
ومنها : أن يقال لمن ادّعى نفي الاختيار عن العبد وأنّه مجبور : إنّ العقلاء ما يعرفون حقيقة الجبر للعبد إلّاإذا كان مختاراً فجبره غيره ومنعه من اختياره ، وأنتم تزعمون أنّه ما كان مختاراً ولا كان له فعل حقيقة .
ومنها : أن يقال للأشاعرة والمجبّرة : إنّه لو كان كما زعمتم أنّه لا فاعل في العالم سوى اللَّه لزمكم أن يكون اللَّه تعالى قد أرسل الرسل إلى نفسه ، وأنزل الكتب على نفسه ، وكلّ وعد ووعيد وتهديد صدر على لسان الملائكة والأنبياء والأوصياء وفي كتبه فإنّه يكون على قول المجبّرة قد وعد ذلك نفسه وتوعّدها وتهدّدها .
وإذا جاز عند الأشاعرة عليه تعالى أن يضلّ العباد ويجبرهم على الفساد ويلبّس عليهم بالمحال ويصدّق الكذّابين بالمعجزات ، ويظهر الدلالات الباهرات على أيدي المبطلين ، فكيف يمكن إثبات نبوّة نبيّ وصحّة شريعته ؟
ومنها : أنّ المجبّرة والأشاعرة يجوز على قواعدهم وعقائدهم - بل صرّحوا به - أن يجمع اللَّه - مع عدله وحكمته - الأنبياء والمرسلين والملائكة المقرّبين وعباده الصالحين ، فيخلّدهم في الجحيم والعذاب الأليم أبد الآبدين ، ويجمع الكفّار والملحدين والزنادقة والمنافقين وإبليس والشياطين ويخلّدهم في الجنّة والنعيم أبد الآبدين ، ويزعمون أنّ ذلك من الإنصاف والعدل ؛ لأنّه يتصرّف في ملكه كيف يشاء ،
« وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ »
. « 1 » ومن أعجب ما يعتذرون به : أنّ أفعال العباد لو كانت صادرة منهم لكانوا شركاء اللَّه ،
هامش
( 1 ) . الأنعام ( 6 ) : 91 ؛ الزمر ( 67 ) : 39 .