تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
كانت قويّة ، وكثير من أحوال الإنسان وأموره إذا أمعن النظر فيها ليصل إلى حدّ يتحيّر العقل فيها كحقيقة النفس وكيفيّة الإبصار مع كونهما أقرب الأشياء إليه لا يمكنه الوصول إلى حقيقة ذلك ، وينتهي التفكّر فيها إلى حدّ التحيّر ، وليس ذلك سبباً لأن ينفي وجودهما وتحقّقهما فيه . ثمّ اعلم أنّ الحقّ إنّ المعتزلة أيضاً خرجوا عن الحقّ للإفراط من الجانب الآخر ، فإنّهم يذهبون إلى أنّه تعالى لا مدخليّة له في أعمال العباد أصلًا سوى خلق الآلات والتمكين والإقدار ، حتّى أنّ بعض المعتزلة قالوا : إنّ اللَّه لا يقدر على عين مقدور العبد ، وبعضهم قالوا : لا يقدر على مثله أيضاً ، فهم عزلوا اللَّه عن سلطانه ، وكأنّهم أخرجوا اللَّه عن ملكه وأشركوا من حيث لا يعلمون . « 1 »

[ معاني التفويض والاستطاعة ]

أقول : الذي يستفاد من الأخبار أنّ المفوّضة يطلق على معان : أحدها : تفويض اللَّه الأمر إلى العباد بحيث لا يكون لأوامره تعالى ونواهيه وبواعثه وزواجره وتوفيقه وإحسانه وتأييده وتسديده وخذلانه مدخل فيه ، ويلزم منه إخراج القادر المطلق عن سلطانه ، ونسبة العجز الظاهر إلى من لا يدخل النقص في شأنه . ثانيها : هو رفع الحظر عن الخلق في الأفعال والإباحة لهم ما شاؤوا من الأعمال . ثالثها : تفويض أمر الخلق والرتق إلى بعض عباده . وهو باطل بجميع معانيه ، وأكثر ما يطلق التفويض في هذا الباب على المعنى الأوّل ، وقد يطلق على الثاني . وقد يطلق التفويض على معنى رابع ، وهو تفويض اختيار الإمام ونصبه إلى الامّة ، وتفويض الأحكام إليهم بأن يحكموا فيها بآرائهم وقياساتهم واستحساناتهم . والاستطاعة يطلق على ثلاثة معان : الأوّل : القدرة الزائدة على ذات القادر .
هامش
( 1 ) . مرآة العقول ، ج 1 ، ص 196 - 200 .