العقلاء : قال الحائط للوتد لم تشقّني ؟ قال : سل من يدقّني . « 1 » انتهى .
فهذا حال إمامهم ، فانظر كيف اعترف بالشكّ والحيرة ، واعترف أخيراً بالأمر بين الأمرين ، ولم يبيّن معناه على وجه يرفع الإشكال في البين .
وقال قطب أوليائهم محي الدين بن العربيّ في الفتوحات - على ما حكى عنه الفيلسوف الشيرازيّ - :
اعلم أنّ الكلّ من عند اللَّه ، ولكن لمّا تعلّق لبعض الأفعال لسان ذمّ فما كان في الأفعال في باب قبح وشرّ فدينا بنفوسنا ما ينسب إلى الحقّ من ذلك وقاية وأدباً مع اللَّه ، وما كان من خير وحسن رفعنا نفوسنا من البين وأضفنا ذلك إلى اللَّه حتّى يكون هو المحمود بكلّ ثناء أدباً مع اللَّه ، وإيفاءاً لحقوقه فإنّه للَّهبلا شكّ مع ما فيه من الاشتراك كما دلّ عليه في قوله :
« وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ »
« 2 » ، وقوله :
« ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ »
« 3 » مع قوله :
« قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ »
« 4 » ، فأضاف العمل وقتاً إلينا ووقتاً إليه ، فلهذا قلنا : فيه رائحة الاشتراك . قال تعالى :
« لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ »
« 5 » ، فأضاف خيرنا وشرّنا إلينا ، وقال :
« فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها »
« 6 » ، فله الإلهام ، وقد خلق العمل . « 7 » فهذه مسألة لا يتخلّص فيها توحيد أصلًا ؛ لا من جهة الكشف ولا من جهة الخبر ، فالأمر الصحيح في ذلك أنّه مربوط بين حقّ وخلق غير مختصّ [ مخلص ] لأحد الجانبين ، فإنّه أعلى ما يكون من النسب الإلهيّة أن يكون الحقّ هو عين الوجود الذي استفادته الممكنات ، فما ثمّ إلّاعين وجود الحقّ ، والتغييرات الظاهرة في
هامش
( 1 ) . شرح المقاصد ، ج 4 ، ص 263 - 264 نقلًا عن الرازي .
( 2 ) . الصافّات ( 37 ) : 96 .
( 3 ) . النساء ( 4 ) : 79 .
( 4 ) . النساء ( 4 ) : 78 .
( 5 ) . البقرة ( 2 ) : 286 .
( 6 ) . الشمس ( 91 ) : 8 .
( 7 ) . في الفتوحات : « فله الإلهام فينا ولنا العمل بما ألهم . . . فقد يكون عطاؤه الإلهام ، وقد يكون خلق العمل » .