الدامس ، كثير الحيّات والحيتان ، يعلو مرّة ويسفل أخرى ، في قعره شمس تضيء ، لا ينبغي أن يطّلع عليها إلّاالواحد الفرد ، فمن تطلّع عليها فقد ضادّ اللَّه في حكمه ، ونازعه في سلطانه ، وكشف عن سرّه وستره ، وباء بغضب من اللَّه ومأواه جهنّم وبئس المصير » « 1 » .
أقول : ولمّا ترك الناس وصيّة ربّهم ونصيحة نبيّهم ولم يسكتوا عمّا سكت اللَّه عنه ، واستبدّوا بعقولهم الفاسدة ، وآرائهم الكاسدة ، غرقوا في هذا البحر العظيم ، وبعدوا عن العزيز الحكيم ، ففرقة قدريّة ، وفرقة جبريّة ، وفرقة مفوّضة ، وفرقة مذبذبون ، وأخرى شاكّون مشكّكون ، حتّى طال بينهم الكلام ، وكثر النقض والإبرام ، واعتركت الآراء ، وتصادمت الأهواء ، حتّى لم يبق لأحد مع خصمه منزعة في قوس فكره إلّا ورماها ، ولا خلسة في خاطره إلّاوأبداها ، ومع ذلك لم يأت أكثرهم بحاصل في الدين ، ولم يظفر بطائل فيما يفيد سلوك طريق اليقين ، بل ربّما استدلّ كلّ من الفريقين بآية واحدة ، أو رواية واحدة كما اتّفق لهم في الاستعاذة .
[ استدلال كلّ من القدريّة والجبريّة على بطلان مذهب الآخر بالاستعاذة ]
فالقدريّة استدلّوا بها على بطلان مذهب الجبريّة من وجوه :
الأوّل : أنّ فيها اعترافاً بكون العبد فاعلًا لتلك الاستعاذة ، فلو كان خالق الأفعال هو اللَّه دون العبد كان كذباً . وأيضاً إذا خلق اللَّه الفعل في العبد امتنع لأحد دفعه ، وإذا لم يخلقه امتنع تحصيله ، فلا فائدة في الاستعاذة ؛ فثبت أنّ قول القائل : « أعوذ » اعتراف بكون العبد موجداً لفعله .
الثاني : أنّ الاستعاذة باللَّه إنّما تحسن إذا لم يكن خالقاً للُامور التي يستعاذ منها ، وأمّا إذا كان هو فاعلها فيمتنع الاستعاذة به منها ، وإلّا لكانت الاستعاذة باللَّه من اللَّه .
الثالث : أنّ الاستعاذة باللَّه من المعاصي ، وهي من قضاء اللَّه ، وذلك يستلزم أن لا يرضى العبد بالقضاء ، والرضا بالقضاء واجب .
هامش
( 1 ) . التوحيد ، ص 383 - 384 ، ح 32 ؛ بحار الأنوار ، ج 5 ، ص 97 .