ولم يكن صادراً من العبد ، وإذا كان الأمر كما ذكرنا فقد عاد الجبر المحظور . « 1 » الوجه الثاني في السؤال منكم : سلّمتم كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات ، ووقوع الشيء خلاف علمه يقتضي انقلاب علمه جهلًا ، وذلك محال ، والمؤدّي إلى المحال محال ، فكل ما أوردتموه علينا في القضاء والقدر لازم عليكم في العلم لزوماً لا محيص عنه ، وسيأتي الجواب عن هذه الشبهة الواهية إن شاء اللَّه .
وقال رئيس المشكّكين وإمامهم الرازيّ :
حال هذه المسألة عجيبة ، فإنّ الناس كانوا فيها مختلفين أبداً بسبب أنّ ما يمكن الرجوع فيها إليه متعارضة متدافعة ، فمعوّل الجبريّة على أنّه لابدّ لترجيح الفعل على الترك من مرجّح ليس من العبد ، ومعوّل القدريّة على أنّ العبد لو لم يكن قادراً على فعله لما حسن المدح والذمّ والأمر والنهي ، وهما مقدّمتان بديهيّتان .
ثمّ من الدلايل العقليّة اعتماد الجبريّة على أنّ تفاصيل أحوال الأفعال غير معلومة للعبد ، واعتماد القدريّة على أنّ أفعال العباد واقعة على وفق قصودهم ودواعيهم ، وهما متعارضان .
ومن الإلزامات الخطابيّة أنّ القدرة على الإيجاد كما لا يليق « 2 » بالعبد الذي هو منبع النقصان ، فإنّ أفعال العباد تكون سفهاً وعبثاً ، فلا يليق بالمتعالي عن النقصان .
وأمّا الدلائل السمعيّة فالقرآن مملوّ ممّا يوهم الأمرين ، وكذا الآثار ، وإن من امّة من الأمم لم تكن خالية من الفرقتين ، وكذا الأوضاع والحكايات المتدافعة من الجانبين ، حتّى قيل : إن وضع النرد على الجبر ووضع الشطرنج على القدر .
إلّا أنّ مذهبنا أقوى بسبب أنّ القدح في قولنا : لا يترجّح الممكن إلّابمرجّح يوجب انسداد باب إثبات الصانع ، ونحن نقول : الحقّ ما قاله بعض أئمّة الدين : أنّه لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين الأمرين ، وذلك لأنّ مبنى المبادئ القريبة لأفعال العبد على قدرته واختياره ، والمبادئ البعيدة على عجزه واضطراره ، فإنّ الإنسان مضطرّ في صورة مختار ، كالقلم في يد الكاتب ، والوتد في شقّ الحائط ، وفي كلام
هامش
( 1 ) . تفسير القرآن الكريم ، صدر المتألّهين ، ج 1 ، ص 22 - 23 .
( 2 ) . في المصدر : « كمال لا تليق » بدل « كما لا يليق » .