غير مخلّص ، إذ لو كان في نفسه مخلَصاً لابدّ إن كان يظهر على بعض الطوائف ولا يتمكّن لنا أن نقول : الكلّ على خطأ ، فإنّ في الكلّ الشرائع الإلهيّة ، ونسبة الخطأ إليها محال ، ولا يخبر الأشياء على ما هي عليها إلّااللَّه وقد أخبر ، فما الأمر إلّاكما أخبر ، فاتّفق الحقّ والعالم في هذه المسألة على الاشتراك ، وهذا هو الشرك الخفي والجلي وموضع الحيرة . « 1 » انتهى كلامه ، عامله اللَّه بعدله .
أقول : فانظر إلى هذا الفاضل الذي هو قطب رحى أوليائهم ، والمعوّل عليه بين علمائهم كيف اعترف بالحيرة والتحيّر ، وصار أخيراً إلى الشرك ، وأنّ أفعال القبائح والظلم والفواحش واقعة بين العبد والربّ غير مخلصة لأحدهما ، وهو شرك محض ، وظلم عظيم ، يبطله النقل والكشف والبرهان ، ويحكم بفساده الوجدان ، ويضحك منه الإنس والجانّ .
وقوله : فما زال وجود الاشتراك في كلّ نحلة ومذهب ، وما ثمّ عقل يدلّ على خلافه ولا خبر إلهيّ في شريعة ، إلخ ؛ ممنوع ؛ إذ العقول السليمة والأفهام المستقيمة والبراهين القطعيّة والدلائل النقليّة كلّها قد دلّت على ما دلّ عليه أولياء اللَّه وأهل بيت الصعمة وخلفاء الدين والأئمّة الذين هم كسفينة نوح ، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها هوى ، من نفي الجبر والقدر والاشتراك كما يأتي تحقيقه إن شاء اللَّه تعالى ؛ فقوله ذلك رجم بالغيب بلا شكّ ولا ريب .
وقد روى الثقة الجليل أحمد بن أبي طالب الطبرسيّ وغيره في كتاب الاحتجاج أنّه دخل أبو حنيفة المدينة ومعه عبداللَّه بن مسلم ، فقال له : يا أبا حنيفة ، إنّ هاهنا جعفر بن محمّد من علماء آل محمّد صلى الله عليه وآله ، فاذهب بنا نقتبس منه علماً .
فلمّا أتيا إذا هما بجماعة من شيعته ينتظرون خروجه أو دخولهم عليه ، فبينما هم كذلك إذ خرج غلام حدث « 2 » ، فقام الناس هيبة له ، فالتفت أبو حنيفة وقال : يا بن مسلم ،
هامش
( 1 ) . الفتوحات المكّية ، ج 3 ، ص 207 - 208 ؛ تفسير القرآن الكريم ، ج 1 ، ص 440 - 442 . وبعض الزيادات أو موارد الخلاف أثبتناها من الفتوحات .
( 2 ) . يقال للفتى الشابّ : حديث السنّ ، فإذا حذف السنّ قلت : حدث - بفتحتين - وجمعه أحداث . كتاب العين ، ج 3 ، ص 177 ( حدث ) .