وفي بعض الأخبار نفي الجبر والاستطاعة .
وكيف كان ، فتحقيق الكلام في هذا المقام وبيان ما فيه من نقض وإبرام - على وجه أنيق وطرز رشيق تهشّ إليه الطباع السليمة ، وتلتذّ به الأفهام المستقيمة - يقتضي بسطه في مقامات :
المقام الأوّل
[ في أنّ مسألة خلق الأعمال من أصعب المسائل الإسلاميّة إشكالًا ]
اعلم أنّ هذه المسألة - وهي مسألة خلق الأعمال - من أعظم المسائل الإسلاميّة غموضاً ، وأصعبها إشكالًا ، وقد تحيّرت فيها العقول والأفهام ، واضطربت فيها آراء الأنام ، وغرقت في لجج بحارها طوائف من منتحلي الإسلام ، وبقي في الحيرة والشكّ فيها أقوام .
والسرّ في ذلك أنّ هذه المسألة من غوامض مسائل القضاء والقدر التي لا تدركها العقول القاصرة ، والأفهام الحاسرة ، بل لابدّ فيها من الأخذ من معادن الوحي والتنزيل ، وأولي الفضل والتأويل ، الذين نزل في بيتهم جبرئيل ، كما أشير إليه في الحديث السابق ونحوه بقوله عليه السلام : « لا يعلمها إلّاالعالم أو من علّمها إيّاه » .
وروى الصدوق رحمه الله في العقائد وغيره عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه سأله رجل عن القدر ، فقال عليه السلام : « بحر عميق فلا تَلِجه » . ثمّ سأله ثانية ، فقال : « طريق مظلم فلا تسلكه » . ثمّ سأله ثالثة ، فقال : « سرّ اللَّه فلا تتكلّفه » « 1 » .
وقال عليه السلام في القدر : « ألا إنّ القدر سرّ من سرّ اللَّه ، وحرز من حرز اللَّه ، مرفوع في حجاب اللَّه ، مطويّ عن خلق اللَّه ، مختوم بخاتم اللَّه ، سابق في علم اللَّه ، وضع اللَّه عن العباد علمه ، ورفعه فوق شهاداتهم ؛ لأنّهم لا ينالونه بحقيقة الربّانيّة ، ولا بقدرة الصمدانيّة ، ولا بعظمة النورانيّة ، ولا بعزّة الوحدانيّة ؛ لأنّه بحرٌ زاخر موّاج ، خالص للَّه تعالى ، عمقه ما بين السماء والأرض ، عرضه ما بين المشرق والمغرب ، أسود كالليل
هامش
( 1 ) . العقائد ، ص 14 ؛ التوحيد ، ص 365 ، ح 3 ؛ وعنه في بحارالأنوار ، ج 5 ، ص 97 ، ح 22 .